نزع سلاح لبنان عملية احتيال مكشوفة: آلاف مواقع أسلحة حزب الله لا تزال نشطة في جنوب لبنان، وإيران تعيد تأهيل التنظيم بالأموال والطائرات المسيّرة والأسلحة من سوريا. يجب على الجيش الإسرائيلي الاستعداد لجولة أخرى، لكن دون التسرع فيها، فقط في وقت لا يُتخذ ذريعة لهجوم إيراني، وفقط في حال التوصل إلى تسوية سياسية مع لبنان. وإلا، فإن استمرار التآكل أفضل من حرب أخرى لن تنتهي إلا بالردع لا بالحسم.
إن تصريح الجيش اللبناني بأن جنوب البلاد “يُنزع سلاحه” ليس سوى تضليل، أو على الأقل تصريح بعيد كل البعد عن الحقيقة. ففي الميدان، جنوب نهر الليطاني، لا تزال آلاف مواقع حزب الله قائمة دون تطهيرها من الأسلحة. هذه مواقع “قديمة” هجرها عناصر التنظيم، لكن المعلومات الاستخباراتية تشير بوضوح إلى أنها لا تزال تُستخدم كمستودعات أسلحة نشطة.
اليوم، تُنقل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بهذه المواقع إلى الحكومة اللبنانية عبر آلية التنسيق الدولية (التي تضم إسرائيل ولبنان وفرنسا والولايات المتحدة وقوات اليونيفيل)، إلا أن الأخيرة تمتنع بشكل ممنهج عن اتخاذ أي إجراء. وباستثناء حالات استثنائية وموثقة بالفيديو – حيث “القليل دليل على الكثير” – يسود صمتٌ مُضلل في أماكن أخرى. ورغم أن عناصر حزب الله ليسوا موجودين فعلياً في هذه المواقع، وأن أي محاولة لعودتهم تُحبطها قوات الدفاع الإسرائيلية، فغن البنية التحتية العسكرية لا تزال سليمة.
المحركات الخمسة لتعزيز حزب الله
بمعنى أوسع، حزب الله لم يُستأصل، بل هو في طور التعافي السريع، لا سيما شمال الليطاني، الذي يرتكز على خمسة مواقع مركزية.
– التمويل الإيراني: تتمكن طهران من تحويل الأموال لإعادة إعمار التنظيم عبر تركيا ومكاتب الصرافة في الإمارات. وتُخصص هذه الأموال للرواتب، وتوفير السكن لعشرات الآلاف من عائلات أعضاء التنظيم النازحين، والتعويضات، والمشتريات العسكرية. كما أن إيران تسعى لإحياء “المحور الدبلوماسي”، وهو نظام يقوم بموجبه وزير الخارجية الإيراني بتحويل الأموال نقدًا في حقائب (أكثر من 100 مليون دولار سنويًا).
– استعادة الإنتاج الذاتي: يُولى اهتمام خاص لإنتاج الطائرات المسيّرة في ورش محلية صغيرة. وهذا درسٌ أساسي من الحملة السابقة، إذ ينظر التنظيم إلى الطائرات المسيّرة باعتبارها السلاح الاستراتيجي الأكثر فعالية الذي بثّ الرعب في إسرائيل.
– السوق السوداء في سوريا: أصبحت سوريا المفككة أرضًا خصبة للأوليغاركيين وتجار الأسلحة الذين ينهبون مستودعات الجيش السوري ويبيعون محتوياتها لحزب الله. إن الواقع في سوريا اليوم يُذكّر بالفوضى التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث يطغى الفساد والمصالح الشخصية على مصالح الدولة.
– تعطيل المحور البري، لا قطعه: إن افتقار النظام السوري للسيطرة على الصحراء الشرقية ووفرة طرق التهريب على الحدود اللبنانية يحولان دون إغلاقه تمامًا. الجسر البري من إيران مُعطّل، ولكنه يعمل.
– إعادة بناء مركز القيادة: الوقت في صالح حزب الله. يجري تحديث التشكيلات المتضررة، وتعيين قادة جدد، إلى جانب الاستفادة من خبرة كبار الضباط الباقين، يسمح باستعادة القيادة والسيطرة. حتى نعيم قاسم بدأ يستعيد ثقته بنفسه، وأصبحت خطاباته أكثر بلاغة (وإن كانت مملة).
الأسئلة المطروحة: التوقيت والأسلوب
على المدى البعيد، يُعدّ هذا التوجه مقلقًا للغاية. فرغم أن التهديد الحالي أقل بكثير مما كان عليه عشية الحرب، لكن ما لم تُفكّك الحكومة اللبنانية حزب الله بشكل فعّال، أو يحدث تغيير في النظام الإيراني، فستضطر إسرائيل، في أعقاب صدمة هجوم 7 أكتوبر، إلى التحرك مجددًا.
مع ذلك، قبل أن نتحرك، علينا الإجابة عن سؤالين حاسمين:
*مسألة التوقيت: قد يُتخذ هجوم واسع النطاق الآن ذريعةً لإيران لمهاجمة إسرائيل بهدف تشتيت انتباه العالم. قد تشنّ إيران “ضربة استباقية” إذا ما رأت أن إسرائيل تنوي مهاجمتها بعد الانتهاء من حزب الله. يجب أن نترك الجهود الدبلوماسية الأمريكية تستنفد نفسها؛ فإدارة ترامب غير المتوقعة، والمستندة إلى أكاذيب لبنانية، قد تُمارس ضغوطًا غير مسبوقة على بيروت.
* مسألة “اليوم التالي”: كيف نضمن عدم ضياع الإنجاز العسكري؟ يجب أن تكون الحملة القادمة حاسمة، لا مجرد “عملية ردع” محدودة أخرى تعتمد على النيران لإبقاء سكان الشمال في حالة خوف.
تحتاج إسرائيل إلى حملة مشتركة من النيران والمناورات، تُقرن بعملية سياسية سريعة. يجب أن يكون الهدف النهائي اتفاق وقف إطلاق نار يُفضي إلى تسوية سلمية مع لبنان (أو على الأقل تطبيع العلاقات)، مع تعزيز الجيش اللبناني بوصفه الكيان السيادي الوحيد. أي نهاية أخرى، لا تُبرر ثمن حرب واسعة النطاق: عزلة دولية، واحتجاجات عالمية، وانقسام داخلي عميق في إسرائيل.
إذا لم يكن هذا الترتيب قابلاً للتحقيق في الوقت الراهن، فإن الاستراتيجية الأنسب هي الاستمرار في “التآكل التدريجي دون عتبة الحرب” – أي عرقلة تعزيز المؤسسة باستمرار دون الانجرار إلى حملة شاملة قبل نضوج الظروف السياسية. إلى حين ذلك، يجب إعداد الجيش الإسرائيلي لعملية واسعة النطاق وفعّالة، وبناء الشرعية الداخلية والدولية لمثل هذه الخطوة.
12N/ معهد بحوث الأمن القومي 12/1/2026