تغيير حجم الخط     

انقسام أوروبي متصاعد حول اتفاق الشراكة مع إسرائيل

مشاركة » الأحد مايو 03, 2026 1:34 am

7.jpg
 
بروكسل ـ «القدس العربي»: يشهد الاتحاد الأوروبي انقسامًا متزايداً على مستوى دوله الأعضاء حول مستقبل اتفاق الشراكة الذي يربط التكتل بإسرائيل، في ظل استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، لاسيما في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان، حيث تتزايد الضغوط من بعض الدول لاتخاذ موقف أكثر وضوحًا تجاه السياسات الإسرائيلية، التي باتت موضع انتقاد واسع من قبل منظمات حقوقية وقطاعات من الرأي العام.

وفشل وزراء خارجية الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مجدداً، في التوصل إلى اتفاق بشأن فرض عقوبات جديدة على إسرائيل، رغم الدعوات التي أطلقتها عدة دول، من بينها إسبانيا، وذلك خلال اجتماعهم هذا الثلاثاء في لوكسمبورغ. وأقرّت مسؤولة السياسة الخارجية في التكتل كايا كالاس، أقرت بأنه لم يكن هناك دعم داخل القاعة لاتخاذ مثل هذا القرار، خاصة أن تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل يتطلب إجماع الدول الأعضاء الـ27، وهو ما لم يتحقق بسبب معارضة دول مثل ألمانيا وإيطاليا.

الاتفاق ومضمونه

تم توقيع اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل في عام 1995، ودخل حيز التنفيذ في عام 2000، في فترة كانت تتسم بتفاؤل نسبي بشأن إمكانية تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط، لاسيما في ظل أجواء اتفاقيات أوسلو. وقد كان الهدف من هذا الاتفاق إنشاء إطار شامل ينظم العلاقات بين الطرفين، ويعزز التعاون في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية.
في ذلك الوقت، كانت هناك قناعة أوروبية بأن تعزيز العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل يمكن أن يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي، وأن الانخراط في شراكات متعددة الأبعاد قد يشجع على تبني سياسات أكثر اعتدالًا. ومن هذا المنطلق، جاء الاتفاق ليؤسس لعلاقة طويلة الأمد تقوم على المصالح المشتركة والتعاون المتبادل. غير أن هذا السياق التاريخي تغير بشكل كبير خلال السنوات اللاحقة، حيث تراجعت آفاق السلام وتصاعدت التوترات، ما جعل الاتفاق نفسه محل تساؤل متزايد، خاصة في ضوء التطورات الأخيرة.
كما يشمل الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل مجموعة واسعة من المجالات، ما يجعله أكثر من مجرد اتفاق تجاري. فمن الناحية الاقتصادية، يتيح الاتفاق إقامة منطقة تبادل تجاري شبه حر، حيث يتمتع العديد من المنتجات الصناعية والزراعية بإعفاءات جمركية أو تخفيضات كبيرة، ما يسهل حركة التجارة بين الطرفين.
كما ينص الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات متعددة مثل البحث العلمي والتكنولوجيا والتعليم والطاقة والبيئة. وقد استفادت إسرائيل بشكل خاص من هذا التعاون، حيث شاركت في برامج أوروبية مهمة، ما ساهم في تعزيز قدراتها العلمية والتكنولوجية.
إلى جانب ذلك، يوفر الاتفاق إطارًا للحوار السياسي بين الطرفين، حيث تُعقد اجتماعات دورية لمناقشة القضايا الإقليمية والدولية، ما يمنح الاتحاد الأوروبي فرصة للتأثير في السياسات الإسرائيلية، ولو بشكل محدود.

جوهر الخلاف

رغم الطابع الاقتصادي والتقني للاتفاق، فإن المادة الثانية منه تمثل حجر الزاوية في الجدل الحالي على مستوى الدول الأوروبية، حيث تنص هذه المادة على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل يجب أن تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، وهو شرط أساسي يُفترض أن يوجه سلوك الطرفين.
وقد أصبح هذا البند في صلب النقاش، حيث ترى العديد من الدول الأوروبية والمنظمات الحقوقية أن إسرائيل لم تعد تلتزم بهذه المعايير، خاصة في ظل العمليات العسكرية في غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والتصعيد في لبنان.
وبناءً على ذلك، يطالب البعض بتفعيل هذه المادة من خلال تعليق الاتفاق أو بعض بنوده، معتبرين أن عدم اتخاذ مثل هذه الخطوة يقوض مصداقية الاتحاد الأوروبي، ويضعف قدرته على الدفاع عن القيم التي يعلن التزامه بها.
وتشير الدول المؤيدة لتعليق الاتفاق إلى المادة الثانية منه، التي تنص على «عنصر أساسي» للحوار والتعاون، وهو «احترام حقوق الإنسان». وترى هذه الدول أن حكومة بنيامين نتنياهو قد انتهكت هذا البند.
وأشار تقرير صادر عن مكتب الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان في حزيران/يونيو 2025 إلى أنه «استنادًا إلى تقييمات مؤسسات دولية مستقلة، توجد مؤشرات على أن إسرائيل لم تحترم» هذا الالتزام، بالنظر إلى أفعالها في غزة والضفة الغربية.
ولا يزال هذا النص الأساسي بين الأوروبيين وإسرائيل يُعتبر «الإطار القانوني والمؤسسي المناسب للحوار السياسي والتعاون الاقتصادي». غير أن بعض الدول، مثل إسبانيا وإيرلندا، تطالب بإلغائه منذ اندلاع الحرب في غزة ولبنان.
لكن رغم هذه الضغوط، «لا توجد آلية تلقائية لتعليق الاتفاق بسبب المادة الثانية»، كما يوضح أستاذ القانون الدولي فرانسوا دوبيسون من الجامعة الحرة في بروكسل، مضيفًا أن التعليق «يظل عملية سياسية».
فبينما ترى بعض الدول أن الدفاع عن حقوق الإنسان يجب أن يكون أولوية مطلقة حتى لو كان ذلك على حساب العلاقات الاستراتيجية، تعتبر دول أخرى أن الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون مع إسرائيل يمثل ضرورة سياسية وأمنية لا يمكن التفريط بها.
وتعزز هذا الانقسام مع نجاح مبادرة أوروبية غير مسبوقة جمعت أكثر من مليون توقيع من مواطنين في دول مختلفة، تطالب بتعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل. ورغم أن هذه المبادرة تعكس تحولًا مهمًا في المزاج العام الأوروبي، فإنها لم تنجح حتى الآن في دفع المؤسسات الأوروبية إلى اتخاذ خطوات عملية، ما يسلط الضوء على التعقيدات التي تحكم عملية صنع القرار داخل الاتحاد.

اتخاذ إجراءات ملموسة

تقود إسبانيا الدول ذات التوجه المطالب بإعادة النظر في الاتفاق، حيث طالبت بشكل صريح بإنهائه، معتبرة أن الاتحاد الأوروبي يجب أن ينسجم مع قيمه، وأن استمرار الشراكة مع إسرائيل في ظل الظروف الحالية غير مقبول. وانضمت إلى هذا الموقف دول مثل إيرلندا وسلوفينيا، التي دعت إلى إجراء تقييم شامل للاتفاق واتخاذ إجراءات ملموسة.
أما المعسكر الثاني، فيضم دولًا مثل ألمانيا وإيطاليا، التي تفضل الحفاظ على الاتفاق، معتبرة أنه يمثل أداة مهمة للحوار والتأثير. وتستند هذه الدول إلى اعتبارات تاريخية وسياسية، حيث تربطها علاقات خاصة بإسرائيل، إضافة إلى مخاوف من تداعيات أي تصعيد دبلوماسي.
وبين هذين المعسكرين، تقف دول مثل فرنسا في موقع وسطي، حيث تعبر عن قلقها من الوضع، لكنها لا تدعو بشكل واضح إلى تعليق الاتفاق، مفضلة الإبقاء على هامش للمناورة السياسية.

عوائق مؤسسية

تواجه أي محاولة لتعليق اتفاق الشراكة عقبات مؤسسية كبيرة داخل الاتحاد الأوروبي. فتعليق الاتفاق بشكل كامل يتطلب إجماع الدول الأعضاء، وهو أمر نادر في القضايا الحساسة، خاصة عندما تكون المصالح متباينة. وتبقى برلين من أبرز الداعمين لإسرائيل، نظرًا لمسؤوليتها التاريخية عن الهولوكوست.
وقد أكد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول هذا الموقف في لوكسمبورغ، معتبرًا أن تعليق الاتفاق سيكون «غير مناسب»، وأن المطلوب هو «حوار نقدي وبنّاء مع إسرائيل».
أما التعليق الجزئي، مثل فرض قيود على بعض الجوانب التجارية، فيتطلب تحقيق أغلبية مؤهلة، وهو أيضًا ليس بالأمر السهل في ظل الانقسام الحالي. كما أن بعض الدول، مثل المجر، لعبت دورًا في تعطيل التوافق، حيث استخدمت حق النقض لمنع اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل. هذه التعقيدات المؤسسية تجعل من الصعب ترجمة الضغوط السياسية والشعبية إلى قرارات عملية، ما يفسر حالة الجمود الحالية.

الأهمية الاقتصادية

يمثل الاتفاق أهمية كبيرة بالنسبة لإسرائيل، حيث يعد الاتحاد الأوروبي شريكها التجاري الأول. وتشمل صادرات إسرائيل إلى أوروبا منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مثل التكنولوجيا والأدوية، إضافة إلى المنتجات الزراعية.
في المقابل، لا تمثل إسرائيل شريكًا تجاريًا رئيسيًا للاتحاد الأوروبي، إذ تشكل نسبة صغيرة من إجمالي التجارة الأوروبية. ومع ذلك، فإن التعاون مع إسرائيل يوفر للاتحاد مزايا مهمة، خاصة في مجالات الابتكار والتكنولوجيا.
هذا التفاوت في الأهمية الاقتصادية يفسر جزئيًا اختلاف المواقف، حيث ترى بعض الدول أن الاتحاد الأوروبي يمتلك أوراق ضغط قوية، بينما تخشى دول أخرى من فقدان شريك استراتيجي مهم.
ولا يمكن فهم الجدل الحالي من دون التطرق إلى الدور المتزايد للمجتمع المدني، الذي أصبح لاعبًا مهمًا في هذا الملف. فقد كثفت المنظمات الحقوقية حملاتها، مطالبة بتعليق الاتفاق، معتبرة أن استمراره يمثل تناقضًا مع القيم الأوروبية. كما أن المبادرات الشعبية، مثل العريضة التي تجاوزت مليون توقيع، تعكس تحولًا في المزاج العام، حيث أصبح المواطنون أكثر انخراطًا في قضايا السياسة الخارجية وأكثر استعدادًا للضغط على حكوماتهم. وقد يؤدي هذا الضغط الشعبي إلى تغييرات فورية، لكنه يساهم في تشكيل البيئة السياسية ويدفع صناع القرار إلى إعادة النظر في مواقفهم.
في خضم ذلك، أظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون علامات نفاد صبر قد تنذر بتغيير في موقف باريس، إذ صرّح في 21 نيسان/ابريل، إلى جانب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في قصر الإليزيه، بأن تعليق الاتفاق أصبح «تساؤلًا مشروعًا» في حال استمرت إسرائيل «في هذه السياسة التي تتعارض مع تاريخها». ومن جانبها، ردّت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنيس كالامار، قائلة: «إن قرار الاتحاد الأوروبي الإبقاء على اتفاقه التجاري مع إسرائيل أمر مخزٍ وجبان، ويعكس ازدراءً صارخًا لحياة المدنيين».
تُعدّ الدنمارك من بين الدول التي تتخذ موقفًا وسطًا، إذ قال وزير خارجيتها، لارس لوكه راسموسن: «يجب أن نكون حازمين مع إسرائيل، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن نبدأ باتفاق الشراكة». وأضاف: «يمكننا البدء بما يحدث في الضفة الغربية، حيث بلغ عنف المستوطنين مستوى غير مسبوق. يمكن أن نبدأ بالأقل تمهيدًا للوصول إلى الأكثر».
ومن جهته، صرّح وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو في 23 نيسان/أبريل بأنه يأمل في اعتماد عقوبات أوروبية «خلال الأيام المقبلة» ضد المستوطنين الإسرائيليين «المسؤولين عن قتل فلسطينيين أو إحراق ممتلكات في الضفة الغربية». ووفقًا للسلطة الفلسطينية، قُتل ما لا يقل عن 1065 فلسطينيًا في المنطقة منذ أكتوبر 2023.
حتى الآن، كانت المجر الدولة الوحيدة التي تعارض رسميًا الحزمة الثالثة من العقوبات ضد المستوطنين العنيفين، بعد اعتماد حزمتين في عام 2024. وأكد دبلوماسي أن «الحزمة لم تتغير، وهي نفسها التي كان من المقرر اعتمادها في ديسمبر 2024». وتشمل هذه العقوبات تجميد الأصول وحظر دخول أراضي الاتحاد الأوروبي على قائمة من الأفراد والمنظمات المتطرفة. ففي نيسان/أبريل 2024، استهدف الاتحاد الأوروبي مجموعة «ليهافا» المتطرفة وحركة «نوار ها غفعات» (أي شباب التلال)، وهي مجموعة معروفة بهجماتها العنيفة على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية. كما وقّعت فرنسا والسويد مؤخرًا وثيقة تدعو إلى حظر واردات المنتجات القادمة من المستوطنات، معتبرة أنها «لا تندرج ضمن نطاق اتفاق الشراكة».

لا داعي للقلق بالنسبة لبن غفير وسموتريتش

إذا كانت هذه الإجراءات مرشحة للاعتماد، فإنها لا تزال تستثني حكومة نتنياهو والجيش الإسرائيلي، رغم دعمهما لهذه الجماعات ولسياسة الاستيطان. ويُعتبر وزيرا اليمين المتطرف، إيتمار بن غفير (الأمن القومي) وبتسلئيل سموتريتش (المالية)، موضع استهداف من عدة دول أعضاء بسبب دعواتهما المتكررة لارتكاب انتهاكات في الأراضي الفلسطينية. ورغم فرض عقوبات عليهما من قبل المملكة المتحدة وإسبانيا، فإنهما لا يواجهان خطر عقوبات أوروبية، إذ يتطلب ذلك إجماع الدول السبع والعشرين.
وقال وزير الخارجية التشيكي بيتر ماتشينكا: «لا يمكنني أن أتخيل أن نكون جزءًا من مجموعة تدعم فرض عقوبات على سياسيين إسرائيليين، فهذا خط أحمر». وكان قد التقى بنيامين نتنياهو في إسرائيل في 14 نيسان/أبريل برفقة رئيس وزرائه المحافظ المتشدد أندريه بابيش، بمناسبة يوم ذكرى الهولوكوست. وأضاف: «لدينا تقليديًا علاقات ودية مع إسرائيل، ونشترك في تاريخ مهم يتضمن جزءًا مظلمًا. سيكون من الصعب علينا التفكير في تجميد عملية الشراكة، والعديد من الدول تشعر بالأمر نفسه».
وبشكل مفاجئ، جاء التحول الأبرز من بودابست، حيث أُعلن في 20 نيسان/أبريل أن بنيامين نتنياهو، المطلوب بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، سيتم اعتقاله إذا دخل الأراضي المجرية. وهو موقف كانت عدة دول غربية، منها فرنسا وألمانيا، قد رفضت تبنيه عند صدور المذكرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وعلّق الوزير الدنماركي لارس لوكه راسموسن قائلًا: «نلاحظ بعض التحرك»، قبل أن يضيف بنبرة واقعية: «لم نصل بعد إلى مرحلة تستطيع فيها أوروبا، بشكل جماعي، تشديد الضغط على إسرائيل».
في ظل المعطيات الحالية، يبدو أن الاتحاد الأوروبي سيواصل التردد في اتخاذ قرارات حاسمة بشأن اتفاق الشراكة. فالانقسام الداخلي، إلى جانب التعقيدات المؤسسية، يجعل من الصعب التوصل إلى توافق. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد إمكانية اتخاذ خطوات تدريجية، مثل فرض قيود على بعض الأنشطة أو استهداف جهات محددة، مثل المستوطنين في الضفة الغربية. وقد تشكل هذه الإجراءات بداية لتغيير أوسع في المستقبل. أما تعليق الاتفاق بشكل كامل، فيبقى خيارًا بعيد المنال في الوقت الراهن، لكنه قد يصبح أكثر واقعية إذا استمرت الضغوط وتصاعدت الانتهاكات.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير