بغداد/ تميم الحسن
بعد ساعات من حديث بغداد عن استمرار التفاوض مع الفصائل بشأن نزع السلاح، وصلت 10 مسيّرات مفخخة إلى أجواء أربيل. أسقطتها قوات التحالف قبل ان تسقط ضحايا. وقال مصدران، أحدهما في البرلمان والآخر في حزب شيعي، إن استهداف كردستان مجدداً يمثل “رسالة غير مريحة” في الأيام الأخيرة التي تسبق موعد انسحاب القوات الأميركية.
وكان قاسم الأعرجي، مستشار رئيس الوزراء علي الزيدي، قد ظهر قبل الهجوم بساعات على شاشة التلفزيون متحدثاً عن استمرار المفاوضات لتسليم السلاح.
عشرة أهداف في السماء..
ولا خسائر
وأعلن جهاز مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان، أمس الأربعاء، أن قوات التحالف “دمرت وأسقطت 10 طائرات مسيرة مفخخة في المجال الجوي لمحافظة أربيل”.
وقال الجهاز إن الهجمات، لحسن الحظ، لم تسفر عن خسائر في الأرواح.
لكن مصادر أمنية قالت إن الطائرات كانت تتجه إلى مناطق بعيدة عن القنصلية الأميركية في أربيل، وكذلك عن القاعدة التجميعية التي تضم قوات التحالف التي انسحبت من بقية مناطق العراق تمهيداً للمغادرة في نهاية الشهر الحالي.
وهذا التفصيل كان مهماً لبعض المراقبين: إذا لم تكن المصالح الأميركية هي الهدف المباشر، فلماذا أربيل؟ ولماذا الآن؟
يرى مراقب كردي للشأن السياسي أن الهجوم جاء بأوامر إيرانية بهدف تخفيف الضغط عن طهران، وهو ينتظر ليرى ماذا سيفعل رئيس الحكومة.
أما نائب في البرلمان، طلب عدم نشر اسمه، فقال لـ(المدى) إن الهجمات على كردستان في هذا التوقيت تمثل “رسالة سيئة”، لأنها، بحسبه، لا توحي بأن الفصائل مستعدة لتسليم سلاحها أو حتى “تنظيمه” في الحد الأدنى.
لجنة ثانية.. والهجمات لا تتوقف
بالنسبة إلى حكومة الزيدي، لم يكن الهجوم حادثة معزولة. ففي آب الماضي، وجّه رئيس الوزراء بتشكيل لجنة للتحقيق في هجوم استهدف المكتب الخاص لرئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، ومقر إقامة مدير وكالة الاستخبارات في الإقليم بمدينة أربيل.
وكانت تلك اللجنة الثانية خلال أسابيع للتحقيق في هجمات استهدفت كردستان.
وفي تموز الماضي، قال بارزاني، بعد تعرض الإقليم لهجمات، إن جزءاً منها انطلق من داخل العراق، مشيراً إلى أن بعض الطائرات المسيّرة التي استهدفت أربيل أُرسلت من محافظة نينوى. وفي الشهر نفسه، دعا الزيدي، خلال زيارته إلى واشنطن، إلى التحقيق في الاستهدافات التي تطال كردستان ومنع تكرارها.
لكن الهجمات استمرت، وبحسب المعطيات الواردة في القصة، وصل عدد الهجمات على أربيل خلال الأشهر الـ6 الماضية إلى نحو ألف هجوم، باستخدام المسيّرات والصواريخ.
“هذا تحد كبير للحكومة”
كفاح محمود سنجاري، الكاتب الكردي والباحث في الشأن السياسي، ينظر إلى هذه الهجمات باعتبارها جزءاً من مشكلة أقدم من حكومة الزيدي نفسها.
يقول لـ(المدى) إن ما يحدث في كل مرة يكشف أن لجان التحقيق تصل إلى معلومات دقيقة جداً، “حتى بأسماء الذين أطلقوا هذه الصواريخ أو هذه الطائرات، سواء من الموصل أو من كركوك أو من ديالى أو من مناطق أخرى”.
وفي رأيه، فإن المسألة تتجاوز الهجوم على أربيل. ويصف سنجاري ما يحدث بأنه “تحد كبير للحكومة” وصراع بين الحكومات التي تمثل إرادة مكونات الشعب والفعاليات السياسية وبين “فصائل خارجة عن الدستور”.
ويرى أن هذه الفصائل “لا تؤمن بالفيدرالية” وتتجه نحو نموذج شمولي يشبه، في تقديره، النظام الإيراني.
ويعتقد أن حكومة الزيدي ربما كانت أكثر جدية من حكومات سابقة في مواجهة هذه الفصائل، ثم يتساءل فيما لو سينجح الزيدي في “تنظيف العراق” من هذه المجموعات المسلحة؟
كردستان ليست وحدها في الحسابات
في رواية سنجاري، لا تتوقف المشكلة عند أربيل. ويقول إن المشكلة يمكن أن تنتقل غداً إلى الأنبار أو البصرة أو الموصل، بل إلى النجف، إذا اصطدمت هذه المناطق بما يسميه “الطموح الجامح” للمجموعات المسلحة، سياسياً واقتصادياً.
ويتحدث عن مكاتب اقتصادية تابعة للفصائل، يقول إنها لا تدر ملايين الدولارات بل مليارات.
ويرى أن ما كُشف مؤخراً من “عناقيد الفساد” ليس سوى تغطية على حجم أكبر من سرقة المال العراقي، بحسب تعبيره، عبر السيطرة على منافذ حدودية مع إيران وسوريا والسعودية والكويت. وبالنسبة إلى كردستان، يرى أن الصراع يرتبط أيضاً بحدود الإقليم، حيث لا تستطيع هذه الفصائل، وفق وصفه، مد أذرعها إلى الحدود مع تركيا أو في الجانب الآخر مع إيران بالطريقة نفسها.
الفصائل تخشى نهاية السلاح
جاء الهجوم الأخير على أربيل بعد عودة التوتر العسكري بين إيران والولايات المتحدة، مع تبادل القصف بين الطرفين.
ويرى عضو في أحد الأحزاب الشيعية، تحدث لـ(المدى) وطلب عدم ذكر اسمه، أن ما يحدث يثبت مخاوف الفصائل من نزع السلاح.
هذا العضو، الذي يقول إنه قريب من الفصائل، ينقل عنها موقفاً واضحاً: “المقاومة”، كما يسميها، تعرف أنها ستبقى مستهدفة حتى لو سلّمت مسدساتها، وليس فقط صواريخها.
في هذا المشهد، يعود اسم ستيفن فاغن، وتنظر الفصائل بقلق إلى عودته إلى بغداد بصفته القائم بالأعمال الأميركي الجديد في بغداد، وتصفه بأنه متشدد تجاه “محور المقاومة”.
وكان فاغن قد عمل في السفارة الأميركية في بغداد أثناء حادثة المطار التي قُتل فيها أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق، والجنرال الإيراني قاسم سليماني.
ويقول عضو الحزب الشيعي: “فاغن عاد من أجل حل الفصائل”.
وكانت المفاوضات مع الفصائل تتجه، في حال نجاحها، إلى تطبيق خطة طهران القائمة على “خزن السلاح” بدلاً من “نزعه”.
لكن حتى الآن، لم يُحسم مكان تخزين الترسانة.
ووفق الصيغة المطروحة، والتي لم تُعلن رسمياً، لن تحرك الفصائل سلاحاً ولن تنفذ عملاً مسلحاً خارج إطار التسوية بعد 30 أيلول، موعد خروج القوات الأميركية من البلاد.
لكن المعلومات المتداولة تتحدث أيضاً عن احتمال اعتماد جماعات صغيرة بأسماء “وهمية” لتنفيذ مهمات الفصائل.
“تعليمات الحرس الثوري”
بالنسبة إلى سنجاري، لا تبدو فكرة الجماعات أو العمليات منفصلة عن الصراع الإقليمي.
ويقول إن قيام الفصائل بالهجمات على كردستان “ليس من بنات أفكارهم”، وإنهم، بحسب تقديره، “يتلقون تعليماتهم من الحرس الثوري بالتأكيد” رداً على الصراع أو الحرب بين واشنطن وإيران.
ويربط بين اشتداد الضغط على إيران وتصاعد الهجمات التي تستهدف السعودية والكويت والإمارات، وحتى عُمان، فضلاً عن كردستان.
ويقول إن هذه الهجمات تحاول تخفيف الضغط الكبير على طهران، التي تواجه أزمة اقتصادية خانقة.
ثم يذهب أبعد من ذلك، بالقول إنه لولا التمويل الذي يصل إلى إيران عبر المكاتب الاقتصادية للأحزاب والفصائل المسلحة، وعمليات تهريب النفط وغيرها، “لانهارت إيران منذ سنوات طويلة”