لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعدته عنات بيليد ودوف ليبر وعبير أيوب، قالوا فيه إن الجيش الإسرائيلي يدعم بهدوء ميليشيات معادية لحماس في غزة. وتعمل الجماعات المسلحة من داخل المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية في غزة، ومن المفترض أنها تستهدف حماس في مناطق لا تستطيع القوات الإسرائيلية وصولها.
وجاء في التقرير أن اعتماد إسرائيل على الميليشيات الفلسطينية الجديدة في غزة لاستهداف حماس، بدا في وقت سابق من هذا الشهر، عندما تباهى حسام الأسطل، زعيم إحدى هذه الفصائل، بقتل شرطي في منطقة تسيطر عليها حماس، وأعلن عن تخطيطه لمزيد من الهجمات.
وقال الأسطل في رسالة مصورة ظهر فيها وهو يحمل بندقية هجومية: “نقول لحماس ولكل من ينتمي إليها: كما وصلنا إليه، سنصل إليكم أيضا”.
الدعم الإسرائيلي لهذه الميليشيات الناشئة يعتبر واسعا، إذ توفر لأفرادها الدعم لجوي عبر الطائرات المسيرة وتقدم لهم المعلومات الاستخباراتية والأسلحة والسجائر والمواد الغذائية
وكشفت الصحيفة أن الدعم الإسرائيلي لهذه الميليشيات الناشئة يعتبر واسعا، إذ توفر لأفرادها الدعم لجوي عبر الطائرات المسيرة وتقدم لهم المعلومات الاستخباراتية والأسلحة والسجائر والمواد الغذائية، وفقا لمسؤولين إسرائيليين وعسكريين احتياطيين. وأفاد المسؤولون بنقل بعض عناصر الميليشيات جوا إلى مستشفيات إسرائيلية بعد إصابتهم بجروح.
وتقول الصحيفة إن هذه الشراكة التي نشأت من عداء مشترك لحماس، تعتبر أداة فعالة لإسرائيل. ويستطيع عناصر الجماعات المسلحة الوصول إلى مناطق في داخل القطاع الواقع تحت سيطرة حماس، لا يمكن للقوات الإسرائيلية الوصول إليها بسبب قيود وقف إطلاق النار، بما فيها، منطقة المواصي، حيث زعمت حماس أن عناصر الأسطل قتلوا الشرطي.
ووصفت حماس المجموعة التي قتلت الشرطي بأنهم “عملاء للاحتلال الإسرائيلي”. وفي تهديد للجماعات المتعاونة مع إسرائيل قالت في بيان لها يوم الخميس إن “ثمن الخيانة كبير وباهظ”.
ونفى الأسطل حصوله على أي دعم من إسرائيل غير المواد الغذائية، وقال إن عناصره استطاعوا الوصول إلى الشرطي بأنفسهم. وفي تصريحات عبر الهاتف لصحيفة “وول ستريت جورنال” قال فيها إن الشرطي المستهدف “تسبب بمشاكل للأشخاص الذين أرادوا التعاون معنا” و”كان يؤذينا، وأي شخص حاول الوصول إليها كان يقتل أو يعتقل، ومن سيحل محله سيقتل”.
وتراقب إسرائيل أنشطة الميليشيات بدقة، وقد تدخلت لمساعدة أفرادها أو إخراجها من ورطات في حالات أخرى.
وعلق يارون بوسكيلا، الذي كان ضابط عمليات بارزا في فرقة غزة التابعة للجيش الإسرائيلي حتى دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر: “عندما تنفذ الميليشيات عمليات ضد حماس، نكون حاضرين لمراقبتها، وفي بعض الأحيان لتقديم المساعدة”. وأضاف: “هذا يعني تزويدها بالمعلومات، وإذا رأينا حماس تحاول تهديدها أو الاقتراب منها، فإننا نتدخل بشكل فعال”.
إلا أن بوسكيلا قال إنه لا يعلم ماذا حدث لهذا التعاون منذ ترك منصبه، فيما امتنع الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) عن التعليق على التعاون مع الميليشيات.
تراقب إسرائيل أنشطة الميليشيات بدقة، وقد تدخلت لمساعدة أفرادها أو إخراجها من ورطات في حالات أخرى.
وفي الأشهر الأخيرة، استخدم عناصر من “القوات الشعبية” وهي ميليشيا أخرى مدعومة من إسرائيل، لمحاولة استدراج مقاتلي حماس المحاصرين في أنفاق داخل رفح، بينما كانت إسرائيل تضخ المتفجرات في الأنفاق، وفقا لمصدر مطلع. وأعلن عناصر من الميليشيات مسؤوليتهم عن قتل عناصر من حماس على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشروا مقاطع فيديو صادمة على الإنترنت. وتظهر صور أخرى عناصر من الميليشيات يرتدون سترات تكتيكية إسرائيلية، يقفون في تشكيلات ويطلقون النار على أنغام موسيقى حماسية، بالإضافة إلى رسوم مولدة بالذكاء الاصطناعي تصور غزة في المستقبل. وتقوم بعض الميليشيات بتجنيد أعضاء جدد عبر منشورات على الإنترنت.
وتحدث جندي احتياط إسرائيلي أنه رافق قوافل مساعدات تزود ميليشيا في رفح خلال فصل الصيف، وكانت هذه القوافل تنظم مرة أسبوعيا في وقت متأخر من الليل مع إطفاء أضواء المركبات. وأضاف الجندي أن المساعدات والإمدادات شملت طعاما وماء وسجائر وصناديق مغلقة بمحتويات مجهولة، كان جهاز الأمن العام (الشاباك) يضعها في المركبات.
وينبع دعم إسرائيل لهذه الميليشيات من بحثها عن بديل عن حماس والسلطة الفلسطينية التي رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أي دور لها في غزة بعد الحرب. ومنذ بداية الحرب على غزة في عام 2023، فشلت إسرائيل في محاولاتها للتعاون مع رجال أعمال أو عشائر غزية لتولي الحكم بدلا من حماس.
واستطاعت الميليشيات الجديدة النجاة من انتقام حماس نظرا لعملها في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية ولا يتجاوز أعداد بعضها المئات، فيما تقول ميليشيات أخرى إن أفرادها يصلون الآلاف. إلا أنها لا تزال غير قادرة على تقديم نفسها كبديل فعال عن حماس. ويعود هذا بسبب رفض السكان لهذه الميليشيات المتهمة بالعمالة لإسرائيل ومشاركة بعضها في نهب المساعدات خلال الحرب، ولها تاريخ من الأنشطة الإجرامية، مما يجعل الكثير من سكان غزة حذرين في دعمها. كما لم تحقق هذه الميليشيات نجاحا في الحد من نفوذ حماس، التي تمكنت من استعادة السيطرة على أقل من 50% من غزة، وتعمل على إعادة بناء هيكلها العسكري.
وذكّر محللون عسكريون بدروس فاشلة لدعم إسرائيل عملاء لها، وأن الميليشيات المسلحة التي دعمتها سابقا قد جاءت بنتائج عكسية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، دعم إسرائيل لجيش لبنان الجنوبي، الذي انهار عندما انسحبت القوات الإسرائيلية من لبنان عام 2000. وقتل العديد من عناصر جيش لبنان الجنوبي أو أُجبروا على الفرار إلى إسرائيل. وهناك خوف آخر من إمكانية انقلاب هذه الميليشيات على إسرائيل.
ينبع دعم إسرائيل لهذه الميليشيات من بحثها عن بديل عن حماس والسلطة الفلسطينية، لكن محللين عسكريين يذكرون بدروس فاشلة لدعم إسرائيل عملاء لها مثل جيش لبنان الجنوبي
وعلق ساعر تزور، وهو ضابط تقاعد حديثا من الجيش الإسرائيلي وشارك في حرب غزة الأخيرة: “مصالح الميليشيات تصب في المقام الأول في مصلحتها، لا في مصلحة أي طرف آخر، وقد تنقلب عليك”.
ومن جانب آخر، لا يعرف ماذا سيحدث لها حالة تم تنفيذ شروط المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار والقاضي بانسحاب إسرائيل من النصف الذي تحتله حاليا من غزة. ونقلت الصحيفة عن مايكل ميلشتاين، الرئيس السابق للشؤون الفلسطينية في المخابرات العسكرية الإسرائيلية: “قد تنفذ هذه الميليشيات عمليات ناجحة ضد حماس من حين لآخر”. لكنه أضاف أن مصيرها قد يكون مشابهًا لمصير الميليشيات اللبنانية بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي. وأضاف: “إنها مسألة وقت وسيخيرون بين البقاء والتعرض للإعدام أو الاعتقال أو الفرار والانضمام إلى الجيش الإسرائيلي”.