بغداد/ تميم الحسن
جدد ائتلاف «دولة القانون»، الذي يتزعمه نوري المالكي، تمسكه بترشيح الأخير لرئاسة الحكومة، في وقت أعلن فيه مجلس النواب عقد جلسة جديدة لا تتضمن انتخاب رئيس الجمهورية.
وخلال وقت إعداد التقرير، كانت القوى الشيعية تعقد اجتماعات بعيدة عن الإعلام لمناقشة مخرج لأزمة رئاسة الوزراء، تمهيداً لاجتماع مرتقب لتحالف «إدارة الدولة»، وهو لقاء لم يُعقد منذ أشهر.
وبحسب معلومات وردت لـ(المدى)، فإن خيارات قوى «الإطار التنسيقي» تبدو محدودة، وتتراوح بين تقديم مرشح «تسوية» بديل، أو الذهاب نحو خيار استمرار حكومة محمد السوداني كحل مؤقت للخروج من المأزق.
وفي اليومين الأخيرين، عاد اسم حميد الشطري، رئيس جهاز المخابرات، إلى التداول كبديل محتمل للمالكي، فيما تتسرب معلومات عن دعم السوداني لمدير مكتبه إحسان العوادي، الذي كان قد طُرح سابقاً في جولات تفاوض قبل إعلان السوداني «تنازله المفاجئ» لصالح المالكي، وهو خيار أثار غضب الأخير، خصوصاً أن العوادي كان قد انشق سابقاً عن «حزب الدعوة».
اجتماعات خلف الكواليس
ومساء السبت، نفى حزب الدعوة، الذي يتزعمه المالكي، أي نية لانسحاب الأخير من السباق، مؤكداً في بيان مقتضب نقلاً عن «ائتلاف دولة القانون» أن «المالكي لا ينوي الانسحاب، والإطار متمسك بمرشحه، وكل ما يُشاع عارٍ عن الصحة».
ودخل التحالف الشيعي في مأزق واضح بفعل إصرار المالكي على الترشح رغم اعتراضات أميركية، ما دفع أطراف «الإطار» إلى تكثيف الاجتماعات الفردية بين أجنحته، على أن يُعقد اجتماع مساء الأحد لتحالف «إدارة الدولة»، الذي يضم معظم القوى السياسية باستثناء الصدريين، وهو اجتماع لم يُعقد منذ ثمانية أشهر.
وأعلن مجلس النواب، أمس، جدول أعمال جلسة الاثنين، التي خلت من فقرة انتخاب رئيس الجمهورية، بعد فشل البرلمان مرتين خلال الأسبوعين الماضيين في عقد جلسة انتخاب الرئيس.
طرح استمرار السوداني
وقبيل الاجتماع المفترض للقوى السياسية، أكدت مصادر لـ(المدى) أن جزءاً من «الإطار التنسيقي» طرح بشكل جدي فكرة استمرار حكومة السوداني، مع مقترح توسيع صلاحياتها عبر البرلمان.
وأكد المصدر أن اثنين من ما يُسمّى بـ«حجاج الإطار» اقترحوا توسيع صلاحيات حكومة السوداني عبر البرلمان، وسط غموض كامل حول كيفية تطبيق هذا المقترح دستورياً.
وجاء الطرح خلال الاجتماع الأخير للتحالف الشيعي، الذي عُقد بغياب قيس الخزعلي، زعيم "العصائب"، أحد أبرز الرافضين لعودة المالكي، إلى جانب عمار الحكيم، زعيم "تيار الحكمة".
وكان «الإطار التنسيقي» قد أعلن في اجتماعه الأخير بمنزل الحكيم ترك حرية التصويت لنوابه في انتخاب رئيس الجمهورية، بعد تعثر مساعي تحييد الموقف الكردي عن أزمة رئاسة الحكومة. وذكر بيان للتحالف الأسبوع الماضي أنه دعا نوابه إلى أن يكونوا «أحراراً» في اختياراتهم في حال عدم التوصل إلى مرشح واحد.
ويُفسَّر هذا الموقف، وفق سياسي مطلع، بوصفه ورقة ضغط أو مؤشراً على وجود حالة يأس داخل التحالف من الحصول على دعم كردي لترشيح المالكي، خصوصاً بعد زيارة وفد من مجموعة «الموالاة» إلى أربيل والسليمانية الأسبوع الماضي من دون تحقيق نتائج واضحة.
"رجل إيران"
من جهته، يرى رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، أن إصرار نوري المالكي على البقاء مرشحاً لرئاسة الحكومة مرتبط، برأيه، بدوافع عقائدية وسياسية، ويعتبر أن هذا التوجه قد يضع العراق في مأزق علاقاته مع الولايات المتحدة.
ويقول فيصل لـ(المدى) إن المالكي في تمسكه بالترشح يتصرف ضمن إطار موقف عقائدي، فهو ينتمي إلى ما يُسمّى «الدولة الدينية» أو ولاية الفقيه «الثيوقراطية»، ولا يؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية أو دولة المؤسسات. ويؤكد فيصل أن المالكي يؤمن بنظرية «ولاية الفقيه الدينية»، ورغم أنه لم يُعلن ذلك صراحة، فقد صرح في وقت سابق بأنه يؤمن بالدولة الدينية، مشيراً إلى أن هذه الدولة لن تكون عند الشيعة إلا «ولاية الفقيه»، سواء خضع لخامنئي أو لفقيه آخر.
ومن الناحية العقائدية والدينية المذهبية المتشددة، يتجه المالكي إلى «الخيار الإيراني للثورة الإسلامية العالمية»، بحسب فيصل، مضيفاً أن ذلك يجعله يسعى للزعامة لخدمة المصالح الاستراتيجية لإيران.
ويتابع فيصل: «عندما ينطلق المالكي من عقيدة راسخة وإيمان مطلق بقضية الدولة الدينية وتأسيس دولة العدل الإلهي الموجودة في أدبيات ولاية الفقيه، وتقويض النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، فهو لا يخشى القوى الشيعية المعارضة لترشيحه». ويشير إلى أن التنظيمات الداعمة له داخل «الإطار التنسيقي» لم يتبقَّ منها سوى تنظيمين، بينما انسحب البقية بسبب إصراره على الذهاب إلى رئاسة الوزراء وخدمة المصالح الإيرانية.
تحذيرات واشنطن
ويضيف أن هذا الموقف يضع العراق في مأزق علاقاته مع الولايات المتحدة، التي تمتلك مفاتيح الاقتصاد العراقي، موضحاً أن «جميع مبيعات النفط العراقية تذهب إلى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ولا تُصرف إلا وفق آليات محددة تمر عبر البنك المركزي العراقي»، إضافة إلى اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي تمنح الولايات المتحدة صلاحيات واسعة للتنسيق مع العراق أو اتخاذ إجراءات لحماية الأمن القومي الأميركي.
ويشير فيصل إلى أن بعض القوى الشيعية بدأت تتناقض مع هذا الموقف، حتى أن «العصائب» صارت ضد ترشيح المالكي، بينما تواصل «بدر» دعمه. ويرى أن إصرار بعض الأطراف على هذا النهج هو موقف عقائدي للتعبير عن رفضهم للولايات المتحدة ودعمهم للاستراتيجية الإيرانية في المواجهة الكبرى مع أميركا. وبهذه الطريقة، يضعون العراق في مأزق إذا اندلعت مواجهة بين إيران وأميركا خلال الأسابيع أو الأيام القادمة، مما يعرض الاقتصاد العراقي لمخاطر كبيرة.
ويختم فيصل مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تسمح باستمرار هذا النظام، أي لن تسمح بهيمنة واستبداد واحتكار السلطة من قبل «الإطار التنسيقي»، الحليف الأساسي والاستراتيجي لإيران في العراق والمنطقة.
وتحوّلت أزمة ترشيح المالكي إلى ملف ذي بعد دولي بعد اعتراض الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تسميته رئيساً للوزراء.
وكان «الإطار» قد صوّت للمالكي لأول مرة منذ تأسيسه قبل نحو خمس سنوات بالأغلبية، رغم الانقسامات الداخلية.
وتعتقد أطراف داخل «الإطار» بإمكانية فتح مسار حوار مع واشنطن لتخفيف الاعتراض، مستندة إلى أن التحذيرات الأميركية استمرت منذ أشهر من دون خطوات حاسمة، ما يتيح – برأيها – هامشاً للمناورة بانتظار نتائج المفاوضات الإيرانية–الأميركية.
وفي المقابل، ظهر المالكي بنبرة أقل حدة في مقابلة أجراها الأسبوع الماضي، محاولاً إرسال رسائل طمأنة إلى واشنطن ودول الإقليم، لكنه أكد في أول ظهور إعلامي بعد تسميته مرشحاً أنه «ماضٍ بالترشيح حتى النهاية»، وأن قرار استمراره أو استبداله بيد «الإطار التنسيقي» وحده.
ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن أبلغت بغداد بإمكانية خفض عائدات تصدير النفط في حال تولي المالكي رئاسة الوزراء، مشيرة إلى تحذير جديد طُرح خلال اجتماع عُقد في تركيا الأسبوع الماضي وضم مسؤولين ماليين عراقيين وأميركيين.
وكان ترامب قد أكد، الأسبوع الماضي، أن الولايات المتحدة «لن تساعد بغداد» إذا عاد المالكي إلى رئاسة الحكومة، في موقف يعكس تصاعد الضغوط الخارجية بالتزامن مع انسداد الأفق السياسي الداخلي.