لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” افتتاحية قالت فيها إن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب إيران تفتقد الهدف الواضح والخطة.
فعلى مدى الأسابيع الماضية، ظل ترامب يهدد بشن ضربة ضد إيران، ومارس في الوقت نفسه ضغطا على النظام للموافقة على اتفاق. لكن أي حرب تحتاج إلى هدف واضح وموارد عسكرية كافية وخطة محكمة.
ورغم المخاطر الجسيمة التي تهدد الشعب الإيراني والشرق الأوسط عموم والاقتصاد العالمي، يبدو أن هذه الحرب تفتقر إلى العناصر الثلاثة.
وتقول إن أهداف الرئيس الأمريكي النهائية لا تزال غامضة، وبخاصة أنها تأتي في سياق أكبر احتجاجات شعبية في إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979 والقمع الوحشي الذي رافقها.
وتتساءل إن كان ترامب جادا بالبحث عن اتفاقية نووية تكبح طموحات إيران، أم أنه يريد ببساطة إجبار نظام مُنهك على الاستسلام لمطالبه؟
ولاحظت “فايننشال تايمز” أن رسائل الرئيس الأمريكي ظلت متضاربة فيما يتعلق بما يريد أن يحققه: هل يريد فقط من طهران التخلي نهائيا عن برنامجها النووي، الذي يقول إن القنابل الأمريكية “دمرته” في يونيو/ حزيران؟ أم يجب على إيران أيضا قبول قيود صارمة على برنامجها للصواريخ الباليستية وإنهاء دعمها للجماعات المسلحة الإقليمية؟ ففي الأسبوع الماضي، منح ترامب إيران مهلة من 10 إلى 15 يوما للتوصل إلى اتفاق، وإلا “ستحدث أمور سيئة”. ومع ذلك ترك المفاوضات لمبعوثه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر.
ولا يملك أي منهما خبرة في التعامل مع إيران، ولا المعرفة التقنية اللازمة للمفاوضات النووية المعقدة. في غضون ذلك، ورغم الحشد العسكري الأمريكي الضخم، أفادت التقارير أن كبير جنرالات البنتاغون حذر الرئيس من أن نقص الذخائر الحيوية وانعدام دعم الحلفاء يضيفان مخاطر جسيمة لأي عملية أمريكية. مع أن الرئيس قال بأنه يفضل التوصل إلى اتفاق على الحرب، رغم دعوات الحلفاء العرب إلى ضبط النفس.
وأضافت أن الزعيم الوحيد الذي يبدو مؤيدا للضربة هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي جر الولايات المتحدة لفترة وجيزة في الحرب التي افتعلها ضد إيران واستمرت 12 يوما العام الماضي لقصف المواقع النووية الإيرانية الرئيسية.
وقالت الصحيفة إن إيران القمعية، هي عدو لنفسها. فقد أثارت وحشية قمعها للاحتجاجات، والتي أودت بحياة الآلاف، استنكارا دوليا واسعا. كما أن تعنت النظام وغروره في السابق أضاعا عليه فرصة ثمينة خلال المفاوضات مع إدارة بايدن لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 الذي وقعه مع القوى العالمية (بعد انسحاب ترامب منه في ولايته الأولى). وقد أدى ذلك إلى نفور القوى الأوروبية التي دعمت ذلك الاتفاق والدبلوماسية، لا الحرب، لحل الأزمة.
وتقول “فايننشال تايمز” إن النظام فقد شرعيته تماما لدى الشعب الإيراني، الذي يعد أكبر ضحاياه. فبعد أن سئم الكثيرون من القمع الداخلي ومعاناة العقوبات الدولية التي فرضها النظام عليهم باتوا يتمنون زواله.
ومع ذلك، فهم يخشون رئيسا أمريكيا تبدو تصريحاته المتهورة وكأنها تتلاعب بمصيرهم. ففي بلد معقد ومتعدد الأعراق يبلغ تعداد سكانه 90 مليون نسمة، يتوقون إلى التغيير، لكنهم يخشون أيضا الحرب وما قد يترتب عليها.
وتعلق أنه حتى لو شن ترامب ضربات محدودة، فلا يوجد ما يضمن استجابة إيران لمطالبه فجأة. وليس من المرجح أن تتمكن الضربات الجوية الأمريكية وحدها من تغيير النظام، حتى لو تم اغتيال كبار القادة. ورغم ضعف النظام، لا ينبغي الاستهانة بتهديداته بالانتقام، بما في ذلك استهداف إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة. فإذا اعتقد النظام أنه يواجه تهديدا وجوديا، فقد يستهدف منشآت الطاقة في الخليج ويحاول إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث النفط الخام المنقول بحرا في العالم.
وأشارت إلى أن الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة في جنيف يوم الخميس، ربما تكون الفرصة الأخيرة، وإن كانت ضئيلة، للنظام الإيراني لتجنب الحرب.
وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فسيواجه ترامب خيارا مصيريا، وقد يعتقد الرئيس، الذي يتخذ قراراته على ما يبدو مع عدد قليل من مستشاريه الموثوق بهم، أن العملية العسكرية الناجحة لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو دليل على تفوق الولايات المتحدة. لكن إيران ليست فنزويلا، ومن الأفضل لترامب أن يستفيد من الدروس الكارثية التي تعلمها من العراق وأفغانستان.