نواكشوط ـ «القدس العربي»: تشهد موريتانيا هذه الأيام حالة من القلق المتصاعد بين أوساط مواطنيها، وذلك على خلفية انتشار تقارير تفيد بأن عدد المهاجرين غير النظاميين في البلاد تجاوز 500 ألف شخص.
وعبر مدونو موريتانيا وساستها عن تخوف كبير إزاء انتشار أعداد المهاجرين القادمين من دول إفريقيا ومن آسيا، مطلقين تحذيرات من أن يبتلع المهاجرون سكان البلد.
وأكد النائب إسلكو ابهاه، الأمين الوطني للعلاقات الخارجية والجاليات في حزب “تواصل” ذي المرجعية الإسلامية، في تدوينات له “أن طوفان الأجانب يجتاحون موريتانيا عموماً ونواكشوط خصوصا”، مضيفاً: “أزيد من نصف مليون أجنبي في العاصمة نواكشوط وحدها!”.
وزاد: “حسب المعلومات التي وصلتني، فإن مدن النعمة، وكيفه، والطينطان، وازويرات، ونواذيبو، وروصو، وبوگي، تجتاحها موجات مهاجرين أجانب أغلبهم غير شرعي”.
وفي تصريحات لـ “القدس العربي” حول قضية الهجرة، أكد الخبير ورئيس المرصد الساحلي للهجرة والمجتمعات، محمد الأمين خطاري “أن جزر الكناري استقبلت في السنة الماضية -بحسب المعلومات المتاحة- 47 ألف مهاجر غير نظامي؛ وهذا ما جعل فرناندو كلافيخو رئيس حكومة جزر الكناري، يتحدث عن وجود 500 ألف مهاجر في العاصمة نواكشوط وحدها”.
وقال: “الحقيقة؛ أننا نعيش تضارباً في الأرقام وتضارباً في المعطيات، لكن كل المؤشرات وكل الاستطلاعات والمسح الخاص بتواجد المهاجرين في موريتانيا، يتحدث عن حدود المليون مهاجر، من بينهم نظاميون ومن بينهم أيضاً مهاجرون غير نظاميين”.
وأضاف: “لا يمكن التأكيد بأن كل هذا العدد يستعد للذهاب إلى أوروبا، كما يتخوف الأوروبيون، ولا يمكن أيضاً الحديث عن بقاء هذا العدد في موريتانيا بشكل مستمر وبطريقة غير قانونية، كما يتخوف الرأي العام الموريتاني”.
وعن موقف المرصد الأطلسي الساحل للهجرة والمجتمعات الذي يتولى الخبير رئاسته، أكد الأستاذ خطاري “أن المرصد يدعو إلى المزيد من التدقيق، والمزيد من الدراسة والمزيد من تجميع المعطيات الدقيقة لإعداد حصيلة حقيقية لا تتسبب في موجة من الهلع على المواطنين، كما أنها أيضاً لا تستصغر ما حدث من موجات هجرة غير نظامية خلال السنوات الأخيرة”.
وزاد: “فلسفة لا تهويل ولا تهوين هي القاعدة التي نسعى إليها من خلال مرصد الأطلسي الساحلي، وهو تقديم معطيات هدفها الدراسة والضبط والدقة بعيداً عن أي مؤثرات أو تأثيرات خارجية”.
وقال: “لا بد من ضبط حالة المهاجرين، ومأسسة التعامل معهم؛ بمعنى أرشفة بصمات تحديد الهوية، فكل ذلك يسهم في التعاطي مع هؤلاء المهاجرين”.
وأضاف: “بخصوص الاتفاقيات، أريد أن أشير إلى أن آخر اتفاقية موقعة رسمياً بين موريتانيا والمملكة الإسبانية، البلد الأوروبي الأقرب إلى موريتانيا، كانت 2003 وهذه الاتفاقية الآن قيد التقييم من قبل السلطات الموريتانية؛ ومن المنتظر أن تجتمع لجنة ثنائية بين الحكومة الإسبانية والحكومة الموريتانية لمراجعة هذه الاتفاقية”.
هذا وقد أدى تداول الأرقام الكبيرة لعدد المهاجرين الموجودين في موريتانيا إلى إثارة نقاشات حادة حول تأثير هذه الظاهرة على النسيج الاجتماعي، والوضع الاقتصادي، والأمن العام.
ويبرر البعض مخاوفهم من الانتشار المتزايد للمهاجرين بالانعكاسات المحتملة على سوق العمل، حيث يعتبر جزء من المواطنين أن المهاجرين غير النظاميين ينافسونهم في الوظائف ذات الأجور المنخفضة، ما يؤدي إلى زيادة البطالة المنتشرة أصلاً وبخاصة بين الشباب الموريتاني.
كما أن هناك مخاوف أخرى تتعلق بالضغط على الخدمات العامة، مثل الصحة والتعليم، خاصة مع غياب إحصائيات دقيقة حول مدى استفادة المهاجرين من هذه الخدمات.
ويطرح خبراء هذا الشأن تساؤلاً حول قضية هجرة والبعد الأمني: فهل يتعلق الأمر بهواجس مشروعة أم أن الأمر تهويل مبالغ فيه؟
ويرى بعض المراقبين أن التهويل المنشور حول تدفق المهاجرين على شبكة التواصل الاجتماعي بشأن عدد المهاجرين يغذي خطابًا معاديًا للأجانب، ويؤدي إلى حالة من التوتر الاجتماعي غير المبرر. ومع ذلك، فإن بعض الجهات الأمنية لا تخفي قلقها من أن يؤدي تكاثر المهاجرين غير النظاميين إلى تحديات أمنية جديدة، خاصة في ظل ضعف الرقابة على الحدود واحتمال تورط بعض المهاجرين في أنشطة غير قانونية.
وموريتانيا التي تعد بلد عبور واستقرار مؤقت لكثير من المهاجرين الأفارقة الساعين للوصول إلى أوروبا، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ معقد يتمثل في التوفيق بين واجباتها الإنسانية من جهة، وضرورة الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى.
وبينما تتزايد الدعوات إلى وضع سياسات واضحة للهجرة، لا يزال النقاش مفتوحًا حول كيفية التعامل مع هذا الملف الحساس دون المساس بحقوق المهاجرين أو إثارة اضطرابات داخل المجتمع.