لندن- “القدس العربي”:
اقترح الكاتب ديفيد إغناطيوس في مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” على الرئيس دونالد ترامب فكرة البدء بعملية انتقالية في إيران بعد الاحتجاجات الدموية التي شهدتها هذا الأسبوع.
وطرح إغناطيوس في البداية سؤالا نظريا حول فكرة نجاح التغيير السياسي من الخارج، متى نجح ومتى زاد من الأمور سوءا؟
وقائمة الأمثلة الفاشلة طويلة، حيث يبرز العراق وأفغانستان كتجربتين فاشلتين في العصر الحديث.
لكن يمكن رد الفشل إلى استخدام القوة في السياسة الخارجية الأمريكية الحديثة، إلى جانب سلسلة من الإخفاقات المنتشرة حول العالم من كوبا إلى الصومال، ومن نيكاراغوا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية.
ويقول إغناطيوس إن أمريكا ليست الوحيدة التي فشلت في إحداث التغيير عبر القوة. فإسرائيل، التي يفترض أنها بارعة في العمليات السرية، تحاول كما يزعم الكاتب ومنذ نصف قرن، دون جدوى، إجبار الفلسطينيين على التعايش السلمي. أما الصين فلم تحقق نتائج أفضل في محاولتها لمحاربة الديمقراطية التايوانية، وكذلك روسيا في حملتها لخنق السيادة الأوكرانية. وعادة ما يميل الضغط الخارجي إلى تقوية عزيمة الشعوب بدلا من كسرها.
ومن هنا دعا إغناطيوس للتفكير بطريقة تساعد فيها الولايات المتحدة في إسقاط النظام الديني بإيران، الذي قتل الكثيرين في احتجاجات الأسابيع الماضية، وفقا لمنظمة حقوق الإنسان في إيران. إن قصف الجيش وقوات الأمن سيرسل رسالة قوية، لكن هل سيساهم ذلك في تمهيد الطريق نحو إيران حديثة وديمقراطية؟
يبدو أن إدارة ترامب، إلى جانب حلفاء الخليج العربي كالسعودية وقطر، لديهم شكوك متزايدة في هذا الشأن، ولهم كل الحق في التساؤل.
وأشار الكاتب إلى ما قاله مسؤول أمريكي سابق عن “قاعدة بوتري بارن” أي مخزن الفخار، وتعني أنك إذا كسرته فستملكه، والتي يرى أنها غير صحيحة لأنك إذا كسرته فلا يوجد هناك ما تملكه.
وأشار إغناطيوس إلى أن التدخلات الخارجية الناجحة تشترك في سمة واحدة: فهي تحدث أو تستغل انقسامات في النخب الحاكمة وخاصة في قوات الأمن.
كما يشجع الدعم الأجنبي الناس على التمرد بدلا من التشبث بهيكل متهالك. وهو يبعد النخب الساخطة بمنحها فرصة للبقاء بل والازدهار في ظل نظام مستقبلي.
وهناك أمثلة مثل الثورة الأمريكية قبل 250 عاما: لم تؤد المساعدة الفرنسية إلى هزيمة البريطانيين، لكنها سمحت لقوات جورج واشنطن المنهكة بالصمود أمام هزائم متكررة والانتصار في النهاية. كما لم يسقط الاتحاد السوفييتي بالقوة، بل تآكل من الداخل، وقرر جهاز المخابرات السوفييتية (كي جي بي) أن الخيار هو الإصلاح أو الفناء. ولم يتم التخلص من سلوبودان ميلوسيفيتش في صربيا، بل انهار نظامه في انقلاب انتخابي سلمي إلى حد كبير.
ويعتقد إغناطيوس أن الرجال الأخيار نجحوا في كل هذه الحالات لأن الدعم الخارجي كان ثابتا ومنظما، ولم يكن مجرد دعم للعنف. فقد مارست وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) ضغوطا على الاتحاد السوفييتي بشكل غير مباشر، من خلال شحن المصاحف إلى أوزبكستان ومخطوطات ساميزدات إلى موسكو، وإن بطريقة غير مباشرة.
وعندما بدأت نخب مثل بوريس يلتسين بالانشقاق، كانت واشنطن حاضرة للتحاور معهم. وتمكنت الولايات المتحدة من حل أجهزة الأمن الضخمة في دول أوروبا الشرقية مثل بولندا وألمانيا الشرقية من خلال عملية انتقال سلسة، بدلاً من قتل العناصر المعادية.
والمشكلة في إيران: بدلا من أن تؤدي تهديدات الرئيس دونالد ترامب والحكومة الإسرائيلية إلى انقسام النظام، يبدو أنها عززت التماسك. ونقل الكاتب عن فرزين نديمي، خبير الشؤون الإيرانية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، قوله إنه لا يرى “أي مؤشرات على التشرذم أو عمليات التطهير أو رفض تنفيذ الأوامر”. وعلى عكس بعض الأزمات السابقة، بقي موظفو الخدمة المدنية وعمال النفط في الغالب في وظائفهم. أما بالنسبة للجيش النظامي، فيقول: “إنهم يكرهون النظام، لكنهم التزموا الصمت”.
وقال إغناطيوس إن قوات الأمن الإيرانية ربما خرجت منتصرة في معارك الشوارع هذا الأسبوع، لكن العديد من المحللين ما زالوا مقتنعين بأنها خسرت الحرب. فالنظام لا يبقي على السلطة إلا بالقوة. قد يقتل ما يكفي من المعارضين للبقاء على قيد الحياة لأشهر أو حتى سنوات، لكنه لا يستطيع الحكم بفعالية وهو مثقل بالقتلى.
ويقترح الكاتب عددا من الطرق لتعزيز الانتقال في أعقاب حمام الدم الذي شهدته إيران هذا الشهر: تشديد العقوبات والضغوط الأخرى على قوات الأمن وتقديم حوافز لقادة الأعمال والسياسيين لإظهار استقلاليتهم وإجبار إيران على فتح الإنترنت وإلا ستحرم من الوصول إلى المعاملات المالية الدولية. كما لا ينتمي حكام الأقاليم الإيرانية إلى الحرس الثوري الإسلامي، وهم في الغالب يكنون العداء للنظام: لذا، حيثما أمكن، يجب التعاون معهم ومساعدتهم على الازدهار.
ويخشى ولي نصر، الخبير البارز في الشأن الإيراني والذي شغل منصب عميد كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، أن “نفقا مظلما للغاية” ينتظرهم. يقول: “لا توجد حاليا حركة سياسية منظمة في إيران قادرة على قيادة الاحتجاجات وفرض سلطتها في غضون يوم واحد، وتولي زمام الأمن والحكم”. وإذا كان نصر محقا، فعليه تغيير هذه المعايير، حيث ينبغي لأصدقاء إيران أن ينطلقوا من فرضية حتمية تغيير النظام، وأن يواصلوا التخطيط للمرحلة الانتقالية.
وقد يكون رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، أقرب إلى الماضي منه إلى قيادة إيران جديدة. لكن مشروعه “مشروع ازدهار إيران” الذي نشر في تموز/ يوليو الماضي هو خطة انتقالية ممتازة، يرى الكاتب أنها تتفوق في ذكائها على أي خطة قدمتها الحكومة الأمريكية أو المنفيون العراقيون قبل غزو عام 2003.
ويدعو الكاتب هنا لدراسة خطة رضا بهلوي، بغض النظر عن رأيكم فيه. فهي تفصل كيفية إعادة بناء إيران متماسكة. وتدرج 34 منظمة عسكرية واستخباراتية وشرطية، وتصف النهج الأمثل للتعامل مع كل منها، حل بعضها، والإبقاء على البقية وفحصها.
وقال إغناطيوس إن المعتدلين لا يمثلون وجه إيران الجديدة، مع أن معظمهم يدرك فشل النظام، وينتظرون وفاة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وبداية مرحلة تحول حتمية. وينبغي على الولايات المتحدة اختبار شخصيات مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الأمن القومي علي لاريجاني، ووزير الدفاع السابق علي شمخاني، وحتى الرئيس مسعود بيزشكيان. فمع ضعف النظام، ستكون لديهم دوافع لإنقاذ أنفسهم وعائلاتهم. يقول مسؤول أمريكي رفيع سابق: “إنّ القول بأننا سنعمل مع من يتبنون سياسات معقولة هو سياسة جيدة”.
فأهم عنصر في استراتيجية طويلة الأمد لتغيير النظام هو التعاون مع الجالية الإيرانية الكبيرة في الخارج، والتي تعد خير دليل على كيف يمكن لإيران أن تزدهر في المستقبل. ونقل عن دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة أوبر، هذا الأسبوع أنه يجري محادثات منتظمة مع مجموعة تضم أكثر من 20 رئيسًا تنفيذيا أمريكيًا من أصل إيراني حول كيفية تشجيع عملية الانتقال: “نحن على استعداد للمساعدة، نحن على استعداد لبذل قصارى جهدنا”، على حد قوله.
وفي العام الماضي، قال خسروشاهي لمجموعة من مؤيدي المعارضة عبر الفيديو إن “السماء هي الحد الأقصى” لدور إيران المستقبلي كمركز تقني إقليمي. فلنبدأ! المعركة التي أود رؤيتها في الشرق الأوسط هي معركة بين إيران وإسرائيل والسعودية والإمارات العربية المتحدة للسيطرة على التكنولوجيا.
وعلى الرغم من حملة القمع الدموي التي شهدتها إيران، فإن حملة الانتقال السياسي ما زالت في بدايتها. ويمكن لسياسة أمريكية قوية وثابتة أن تسهم في نهاية المطاف في إسقاط هذا النظام.