لندن ـ «القدس العربي»: نجحت طائرة خارقة تابعة لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» في التجارب الخاصة بها، حيث تمكنت من اختراق حاجز الصوت لتكون أول طائرة ركاب مدنية تنجح في ذلك منذ اختفاء طائرة «كونكورد» من العالم قبل عقود.
والطائرة التي أطلقت عليها وسائل الإعلام اسم «ابنة الكونكورد» تمكنت من التحليق بأسرع من الصوت، لكن قيمتها تبلغ 247 مليون دولار، أي أنها تقترب من أن تكون بربع مليار دولار.
وحسب المعلومات التي جمعتها «القدس العربي» من تقارير متعددة نشرتها وسائل الإعلام الأمريكية فإن هذه الطائرة وصلت سرعتها إلى 713 ميلاً في الساعة خلال الرحلة التجريبية التي أجرتها، وهو ما يمهد الطريق لرحلات جوية فائقة السرعة، حيث إن هذه الطائرة تستطيع أن تقطع المسافة من لندن إلى نيويورك في أقل من 4 ساعات.
ووصلت الطائرة، التي تبلغ قيمتها 247 مليون دولار، والتي يطلق عليها اسم «X-59»، إلى سرعة قصوى تبلغ 1.1 ماخ، أو 713 ميلا في الساعة (1150 كم / ساعة)، خلال رحلة تجريبية أجريت يوم الجمعة الخامس من حزيران/يونيو 2026.
وأقلع طيار الاختبار جيم كلو ليس وهبط من قاعدة إدواردز الجوية بكاليفورنيا، مرتفعاً إلى 43400 قدم (13200 متر) قبل أن يسجل الرقم القياسي الجديد للسرعة.
ورغم أن الرحلة استغرقت 81 دقيقة فقط، إلا أن هذه هي الخطوة الأولى نحو رحلات أسرع من الصوت بين لندن ونيويورك في أقل من أربع ساعات.
ومع ذلك، فإن وكالة الفضاء الأمريكية لديها خطط لدفع طائرتها التجريبية إلى أبعد من ذلك، حيث يقول مدير وكالة ناسا، جاريد آيزاكمان، إن «X-59» سوف تطير مرة أخرى وتصل إلى سرعة 1.4 ماخ، أو 925 ميلاً في الساعة (1490 كم/ساعة) خلال «الأيام القادمة».
وستختبر هذه الرحلات ما إذا كان التصميم غير التقليدي للطائرة يقلل بالفعل من الطفرة الصوتية إلى «ضربة» هادئة كما تأمل وكالة «ناسا».
ويقول آيزاكمان: «تستعد X-59 لظهورها الأول الهادئ الأسرع من الصوت».
وتم تصميم الطائرة «X-59» لحل إحدى المشكلات الكبيرة المتعلقة بالرحلات الجوية الأسرع من الصوت، وهي الحجم الذي لا يطاق من دوي الصوت الذي يصم الآذان.
وعندما تتحرك الطائرة في السماء، فإنها تدفع الهواء بعيداً عن الطريق مثل القارب الذي يتحرك عبر الماء، مما يخلق تموجات على شكل موجات صوتية. وعند السرعات الأسرع من الصوت، تتفوق الطائرة على موجة الموجات الصوتية هذه، مما يتسبب في تجمع التموجات وضغطها في موجة صادمة واحدة ضخمة.
وهذا يعني أن الطائرات الأسرع من الصوت، مثل الكونكورد، تتبع باستمرار موجات صادمة قوية، والتي تُسمع على أنها «دوي» عندما تمر الطائرة في سماء منطقة ما.
ولأن صوت هذه الانفجارات يمكن أن يصل إلى 110 ديسيبل – على غرار حفل موسيقى الروك الصاخب – فإن الرحلات الجوية الأسرع من الصوت محظورة بشكل عام فوق المناطق المأهولة بالسكان. ولحل هذه المشكلة، تعمل وكالة ناسا على تطوير تقنية جديدة تُسمى «Quiet SuperSonic» أو يُشار لها باسم «Quesst»، وهذه التقنية من شأنها أن تحول الطفرة إلى «ضربة» صامتة.
وتُمثل الطائرة النفاثة الأسرع من الصوت «X-59» تتويجاً لتلك الجهود التي تقوم بها «ناسا»، ومن المتوقع أن تجعل الطيران الأسرع من الصوت هادئاً بما يكفي للتحليق فوق المناطق المأهولة بالسكان.
وتم تطوير هذه الطائرة من قِبل قسم «سكونك ووركس» التابع لشركة لوكهيد مارتن الأمريكية لصناعة الطيران، بعد فوزها بعقد تصميم بقيمة 247.5 مليون دولار من وكالة ناسا عام 2016.
وتتميز الطائرة بتصميم هندسي مُعاد ابتكاره جذرياً، حيث صُممت جميع أجزائها لتشتيت وتخفيف دويّ اختراق حاجز الصوت.
وأبرز ما يُميزها عن الطائرات النفاثة التقليدية هو مقدمتها النحيفة المدببة، التي تُشكل ما يقارب ثلث طول الطائرة، والمُصممة لتشتيت الموجة الصدمية.
أما الجانب السلبي لهذا التصميم المبتكر، فهو أن قمرة القيادة تقع في منتصف طول الطائرة تقريباً، ولا تحتوي على نوافذ أمامية.
وبدلاً من ذلك، يستخدم الطيار نظاماً من الكاميرات وشاشات الواقع المعزز، يُعرف بنظام الرؤية الخارجية، للرؤية من الأمام.
وبحسب وكالة «ناسا»، يُخفّض هذا من شدة الموجة الصدمية المسموعة على الأرض إلى ما بين صوت رعد بعيد وصوت إغلاق باب سيارة على بُعد ستة أمتار.
ويقول آيزاكمان: «أنا ممتن لفريق ناسا وشركة لوكهيد مارتن سكونك ووركس لمساعدتهم لنا في الوصول إلى هذه المرحلة، وآمل أن يكون هذا التعاون بدايةً لسلسلة من التعاونات في إطار إعادة بناء محفظة ناسا للطائرات التجريبية».
ومنذ رحلتها الأولى في تشرين الأول/أكتوبر 2025، خضعت طائرة «ابنة الكونكورد» لعشرات الاختبارات المتزايدة الصعوبة في عملية تُعرف باسم «توسيع نطاق الأداء».
وتُعدّ هذه الرحلة الأسرع من الصوت الأولى أحدث إنجاز في هذه العملية التدريجية، حيث تنقل طائرة ناسا الهادئة إلى المرحلة التالية من الاختبارات.
وخلال الاختبار، رُصدت الطائرة «X-59» بواسطة طائرة مرافقة من طراز «F-15» تابعة لناسا، والتي حلّقت بالقرب منها لمراقبة تقدّمها.
وغطّى دويّ اختراق حاجز الصوت العالي الصادر عن طائرة F-15 على الصوت الصادر عن الطائرة «X-59»، مما يعني أن ناسا لم تتمكن من التأكد من مدى هدوئها.
ومع ذلك، زُوِّدت الطائرة المرافقة بمسبار متخصص لأخذ قياسات أولية لموجات الصدمة الصادرة عن طائرة «X-59».
ويقول مايكل كراتسيوس، مساعد رئيس الولايات المتحدة لشؤون العلوم والتكنولوجيا ومدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا: «إن أول رحلة أسرع من الصوت لطائرة X-59 دليل على ريادة أمريكا الدائمة في العلوم والهندسة».
وفي الأيام القليلة المقبلة، سترسل ناسا طائرة X-59 في أول رحلة تجريبية لها، حيث ستصل إلى سرعة طيران تبلغ 1.4 ماخ على ارتفاع 55 ألف قدم (16 الفاً و764 متراً).
وبينما سترافق هذه الرحلات طائرة مرافقة، فإنها ستكون خطوة هامة نحو اختبار دويّ اختراق حاجز الصوت الهادئ.
ويكتسب هذا الاختبار أهمية بالغة لأن هذه السرعات والارتفاعات هي التي ستُختبر عندها طائرة X-59 عندما يُسمح لها بالتحليق فوق العديد من المناطق السكنية في الولايات المتحدة.
وسيختبر طيارو الاختبار الطائرة النفاثة إلى أقصى حدودها، لتصل إلى سرعة قصوى تبلغ 1.6 ماخ على ارتفاع 60 ألف قدم، أي ما يقارب ضعف ارتفاع وسرعة الطائرات التجارية.
وبعد هذه الرحلة، ستنتقل «ناسا» إلى المرحلة التالية من الاختبارات، حيث ستركز على خصائص الصوت للتحقق من قدرتها على إصدار صوت خافت.
وستُحلّق الطائرة فوق مناطق مأهولة بالسكان في الولايات المتحدة لمعرفة كيفية إدراك الناس لصوت مرور طائرة «X-59» فوق رؤوسهم.
وأعلنت وكالة «ناسا» أنها ستشارك هذه البيانات مع الهيئات التنظيمية الأمريكية والدولية «للمساعدة في وضع معايير جديدة للضوضاء تعتمد على البيانات، بما يُمكّن من إنشاء سوق مستقبلية قابلة للتطبيق للرحلات التجارية الأسرع من الصوت فوق اليابسة».
وفي المستقبل، قد يُمهد ذلك الطريق أمام رحلات تجارية أسرع من الصوت لا تُسبب إزعاجاً كبيراً لمن هم على الأرض.