لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالا لجاستين جيست، الأستاذ في جامعة جورج ميسون تناول فيه ظاهرة هجرة العلمانيين من إسرائيل.
وأشار الكاتب بداية إلى تصريحات المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي الذي قتل في بداية الحرب على بلاده، حيث قال فيها بأن إسرائيل لن تصمد خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة. ولم يكن خامنئي يتنبأ بالهجوم من قطاع غزة، بل كان يتوقع شيئا أبطأ وأقل وضوحا: هجرة تدريجية للإسرائيليين الساخطين على المسار السياسي لبلادهم.
فقد جاءت تصريحاته بعد أشهر من الاحتجاجات ضد الإصلاحات القضائية الإسرائيلية التي اقترحتها حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وكانت هذه القوانين ستضعف سلطة المحكمة العليا في كبح تجاوزات الحكومة، بينما تمنح السياسيين نفوذا أكبر على التعيينات القضائية.
وقد أثارت هذه المقترحات غضبا عارما ومظاهرات حاشدة في جميع أنحاء إسرائيل استمرت لأشهر.
ويقول جيست إن محاولات أعداء إسرائيل إلحاق الضرر بها من الخارج معروفة، لكن الدولة قد تضعف نفسها من الداخل أيضا إذا ما استعدت المواطنين الأكثر تمسكا بطابعها الليبرالي.
وبحسب مكتب الإحصاء الإسرائيلي، هاجر نحو 400,000 إسرائيلي إلى الخارج بين عامي 2013 و2023.
وفي بلد صغير كهذا، يعد هذا الرقم لافتا للنظر، إذ يمثل ما يقارب 5% من السكان، وقد تسارعت وتيرة الهجرة في السنوات الأخيرة، حيث بلغ عدد المغادرين 55,300 في عام 2023، و82,700 في عام 2024، و69,300 في عام 2025.
ورغم دخول بعض المهاجرين الجدد إلى البلاد خلال هذه الفترة، إلا أن عدد المغادرين فاق عدد الوافدين إليها في العامين الماضيين.
وللمقارنة، تشير التقديرات إلى أن 1% فقط من المواطنين الأمريكيين كانوا يعيشون في الخارج عام 2022. في المقابل، هاجر ما يقارب 1% من سكان إسرائيل إلى الخارج في كل من العامين الماضيين.
ويقول جيست إن هذه ليست تقلبات غير مهمة، فقد خلصت دراسة أجريت عام 2025 إلى أن هذه الهجرة تمثل “هجرة عقول” كبيرة، تشمل بشكل غير متناسب الأطباء والمهندسين وغيرهم من ذوي التعليم العالي والدخل المرتفع.
وبالنسبة لبلد يعتمد ازدهاره وأمنه بشكل كبير على التطور التكنولوجي والخبرة المهنية واقتصاد الابتكار الديناميكي، فإن هذا الأمر يثير القلق الشديد، لكن الخطر الأعمق قد يكون سياسيا. وما تشهده إسرائيل ليس مجرد هجرة عقول، بل هو أيضا ما يسميه جيست: “هجرة ديمقراطية”، نزوح مواطنين لا يمثلون الشعب سياسياً بشكل عام. بل هم في غالبيتهم ليبراليون وعلمانيون ومتمسكون بالمعايير والمؤسسات الديمقراطية.
فمنذ إصلاحات عام 2023، انتهجت حكومة نتنياهو إجراءات أخرى غير ليبرالية، شملت توسيع نطاق سيطرتها على الضفة الغربية المحتلة وتقييد حرية الصحافة ومنع دخول مؤيدي مقاطعة إسرائيل وقد تزامن كل هذا مع العدوان الوحشي على غزة.
وأظهر استطلاع رأي أُجري العام الماضي اهتماما أكبر بكثير بالهجرة بين اليهود العلمانيين مقارنة باليهود المتدينين أو المتشددين. وتستقر الغالبية العظمى منهم في ديمقراطيات ليبرالية، فقد هاجر نحو ثلثهم إلى الولايات المتحدة، و18% إلى ألمانيا، و9% إلى كندا، و8% إلى المملكة المتحدة، وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن الديمقراطيات لا تقوم على الدساتير والمحاكم والانتخابات فحسب، بل على الجماعات الاجتماعية المستعدة للدفاع عنها. فعندما تفقد دولة ما أعدادا كبيرة من مواطنيها العلمانيين والمتعلمين والليبراليين، فإنها تفقد القاعدة الشعبية والانتخابية التي يعتمد عليها صمود الديمقراطية.
ويشير الكاتب إلى أن هذه الخسارة قد تكون بالغة الأهمية في إسرائيل، حيث لطالما اعتمد طابعها الليبرالي والديمقراطي على توازن دقيق بين المجتمعات العلمانية والدينية، وغالبا ما تتنافس رؤاها حول دور الدولة. وعليه، فإقصاء عدد كاف من المواطنين من أحد جانبي هذا التوازن، يؤدي إلى اختلال النظام، وربما بشكل لا رجعة فيه.
وعادة ما يبدأ تآكل الديمقراطية عندما يقوم القادة بتحركات ضد المؤسسات: كتزوير المحاكم وتضييق الخناق على الصحافة وتحريف المعايير القانونية والتلاعب بقواعد الانتخابات. لكن الأنظمة الديمقراطية قد تفرغ من مضمونها بطريقة أكثر هدوءا، عندما يقرر عدد كبير من أكثر الناس التزاما بالليبرالية أن الرحيل أسهل من البقاء والنضال من أجل الديمقراطية.
ويقول الكاتب إن زعم خصوصية إسرائيل لم يقم فقط على قوتها العسكرية وأدائها الاقتصادي، بل أيضا على ادعائها بأنها الديمقراطية الليبرالية الوحيدة في منطقة تسودها الأنظمة الاستبدادية والثيوقراطية. وإذا استمرت في تنفير مواطنيها العلمانيين المتعلمين ذوي التوجه الديمقراطي، فلن يقتصر الضرر على اقتصادها فحسب، بل سيؤدي ذلك إلى تقليص عدد الناخبين الأكثر احتمالا للدفاع عن المؤسسات والثقافة السياسية التي ميزتها عن خصومها لأجيال.