الوثيقة | مشاهدة الموضوع - «فالنتاين» بين الدين والسياسة والسوق صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

«فالنتاين» بين الدين والسياسة والسوق صادق الطائي

مشاركة » الأربعاء فبراير 21, 2018 5:06 am

مع إطلالة شهر فبراير ينتظر جمهور غير قليل يوم الرابع عشر منه للاحتفال بـ»فالنتاين»، أو عيد العشاق كما هو معروف في دول كثيرة، أو كما يسمونه عندنا «عيد الحب»، وفي كل عام يثار الجدل نفسه الذي يركز على الجانب الديني من الموضوع، وتطرح أسئلة مثل: هل الاحتفال بعيد الحب حلال أم حرام؟ لماذا نقلد اعياد الغرب؟ ما علاقتنا نحن بالقديس فالنتاين؟ وأسئلة مثل: لمن ستقدم هديتك؟ هل يمكن تقديم الهدية للأم أو الزوجة أو الابنة؟ أم أنه احتفال خاص بالعشاق فقط؟
وربما إذا عرجنا على القصة التاريخية التي تقترب من كونها أسطورة، والتي تحكي اصل عيد الحب، نكون قد بينا أصلا ما يمكن أن يضيء جانبا مما سنخوض فيه من تفاصيل. والقصة الأكثر شهرة عن أصل عيد العشاق تقول إن «فالنتاين» كاهن روماني عاش في القرن الثالث الميلادي في العاصمة روما، أي قبل أن تتخذ الامبراطورية الرومانية من الدين المسيحي في عهد الإمبراطور الروماني قسطنطين الاول (306–337) دينا رسميا للامبراطورية، وكان التضييق شديدا على المسيحيين في الامبراطورية، ومرت عليهم عقود من الاضطهاد والشهادة، وفي هذه الحقبة عاش الراهب «فالنتاين»، وعندما أصدر الإمبراطور كلوديوس الثاني قراره بحظر الزواج على الشبان ليزيد تعداد جنود جيشه، تحدى الكاهن فالنتاين قرارَ كلوديوس واستمرّ في تزويج الشباب سرًا، وعندما تم اكتشاف أمر الكاهن أمر الامبراطور كلوديوس الثاني بسجنه ثم إعدامه يوم 14 فبراير عام 270 ميلادي، لينطلق الاحتفال بعد ذلك بقرون بهذا الكاهن الذي تم تطويبه قديسا والاحتفال بعيد الحب في يوم إعدامه نفسه، الذي تحتفل الكنيسة الشرقية به يوم 6 يوليو، بينما يبقى الاحتفال الاكثر شهرة هو احتفال الكنيسة الغربية يوم 14 فبراير وليتحول لون دم «الراهب الشهيد» الاحمر إلى علامة لعيد الحب، تتلون بها الهدايا والازهار.
ولم يكن لهذا العيد في الشرق الاوسط بشكل عام والعراق بشكل خاص شعبية كبيرة قبل ثلاثين عاما أو أكثر، ولمعرفة أكثر دقة قمت بعمل استبيان بسيط على صفحتي في الفيسبوك، وسألت اصدقائي العراقيين المنتشرين في مختلف دول العالم سؤالا بحثيا مفاده؛ «اذا كان عمرك اكثر من 40 عاما، اتمنى أن تجيبني على هذا السؤال، متى سمعت بعيد الحب؟» وجاءتني اجابات وتعليقات من عينة البحث التي تكونت من 42 صديقا وصديقة، بينهم 27 رجلا و15 أمرأة، متوزعين على الحيز المكاني كالتالي؛ 14 داخل العراق و28 خارج العراق في مختلف دول العالم ويعيشون في مهاجرهم منذ فترات مختلفة، وهم من طبقات اجتماعية مختلفة، وبذلك اعتبرت العينة ممثلة ودالة ومفيدة في فهم الموضوع نتيجة تنوعها. تنوعت إجابات الأصدقاء على سؤالي، لكنها بينت أن الطبقة الدنيا أو المتوسطة الدنيا، لم تكن قد سمعت بعيد الحب حتى وقت متأخر جدا، بينما نسبة قليلة من الطبقتين المتوسطة والعليا في المجتمع كانت قد سمعت به، وتم ذلك عادة خارج العراق عند سفر هذه الشريحة للاصطياف أو السياحة أو الدراسة في عقد السبعينيات اوالثمانينيات من القرن الماضي، كما أشار بعض الاصدقاء إلى أنهم سمعوا بعيد الحب نتيجة اطلاعهم المبكر على الأدب الانكليزي وبشكل خاص مسرح شكسبير، الذي ذكر عيد الحب الضائع في مسرحية «هاملت»، وذكر أحد الاصدقاء تعريجا على أن الطبقة الوسطة والعليا في العراق كانت تعرف الاحتفال بهذا اليوم، حيث كان هنالك تقليد في نادي العلوية في بغداد الذي ترتاده عوائل هذه الطبقات، بالاحتفال منذ الستينيات واوائل السبعينيات بعيد الحب يوم 14 فبراير حيث تفرش موائد مطعم النادي بالمفارش الحمراء وتوضع زهرة حمراء على كل طاولة، وتقام مساء حفلة موسيقية يحيها عادة مشاهير المطربين.
في عقد التسعينيات، العقد الاكثر حلكة في ظلمة العراق نتيجة العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليه، ومع انتشار الجوع الحقيقي وانسداد الافق أمام أي امل في تغيير سياسي، وانحسار أفق الحب والتسامح، انتشر الاحتفال بعيد الحب. اذ أن 90% من العينة التي اجابتني على سؤالي كان جوابها أنها سمعت عن هذا العيد في سنوات التسعينيات، أو أنها كانت قد سمعت به قبل ذلك، لكنها عرفته كممارسة في هذا العقد الذي شهد شيئا اخر طارئا على المجتمع العراقي وهو الحملة الايمانية التي دشنها النظام قبيل منتصف التسعينيات، وكان من نتائجها انتشار نوع من التدين الظاهري الذي ركز على الشكليات والمظاهر أكثر من تنمية روح التدين الحق، فانتشرت في المجتمع ظواهر إطالة اللحى والدشداشة القصيرة وانتشار الحجاب والنقاب، بشكل لافت وبدعم رسمي من النظام.
فكيف تسنى أن ينتشر الاحتفال بعيد الحب في العراق في مثل هذه الظروف؟ هذا سؤال يحتاج إلى الكثير من البحث والتقصي في متن المجتمع وهوامشه للإجابة عليه. لكن وبدون شك واجه الاحتفال بيوم «الفالنتاين» في العديد من مجتمعاتنا هجمات من رجال الدين المتشددين، الذين اعتبروا المحتفلين به متشبهين بالغرب الكافر وناقلين لطقوس دخيلة على مجتمعاتنا، وواجه عدد من المحتفلين في بعض الدول مثل السعودية، عقوبات قانونية وصلت حد السجن، كما أن كثيرا من رجال الدين وبشكل خاص من التيارات السلفية في مصر، اعتبرت الاحتفال بعيد الحب نوعا من الخروج عن الملة، الذي يستوجب التكفير، لكن ما تغيره السياسة ينعكس حتى على المعتقدات والفتاوى، فبعد ما شهدته المملكة السعودية من تغيرات تمهيدا لعهد الامير محمد بن سلمان الجديد، نجد هذا العام مع حلول يوم «الفالنتاين» الشيخ أحمد قاسم الغامدي، مدير عام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة «سابقا»، يصرح بأن «الاحتفال بيوم الحب مناسبة اجتماعية إيجابية لا ترتبط بالدين». كما قال الغامدي «يجوز تهنئة اليهود والنصارى بأعيادهم الوطنية والاجتماعية، بما فيها عيد الحب، وردّ السلام عليهم والتحية وتبادل الورود الحمراء وغيرها، طالما أنه ليس فيها دلالات تخالف الإسلام أو أحكامه من باب الإقساط والبر المأذون فيه شرعاً، الذي أقره الله عز وجل، موضحاً أن ذلك ليست له علاقة بالموالاة وموافقتهم في عقائدهم، بل يندرج تحت مظلة المعاملة الحسنة».
وتماشيا مع هذا السياق الذي سار عليه مشايخ السعودية، بسبب التغيرات السياسية التي استوجبت تغيرات دينية – اجتماعية، نجد الشيخ أحمد ممدوح، أمين عام دار الإفتاء المصرية، يصرح للاعلام في عيد الحب هذا العام قائلا، «إن تخصيص يوم في السنة من أجل تذكير الناس بالحب جائز، ولا يوجد ما يحرمه». واعتبر ممدوح أن «عيد الحب» مثله مثل أي مناسبة اجتماعية، يتم تذكير الناس بها. فيما قال خالد عمران، أمين الفتوى في دار الإفتاء المصرية إن «الحب شعور راق، محترم في الأديان، وهو ليس سلوكا خاطئا خارجا عن الدين أو العرف الاجتماعي». فسبحان مغير الاحوال ومقلبها من التكفير إلى التفكير.
كما نظر بعض الاصدقاء ممن كتبوا في صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي إلى زاوية اخرى، ربما لم ينظر لها الكثيرون، وهي الجانب الاقتصادي للاحتفالات والاعياد، والنقطة مهمة جدا، لان اقتصاد السوق ممكن أن يسخر الدين والسياسة لمصلحته، وبهذا الجانب كتب احد الاصدقاء، «الرأسماليون الكبار الذين لا يهتمون كثيراً للحب والمشاعر الإنسانية، ونادراً ما يبقون مع أسرهم في الاعياد، يخترعون لنا في كل يوم مناسبة، وتبدأ مصانع الإعلان والدعاية بتجميلها، وبعد فترة يصبح من لا يهتم بهذا العيد أو ذاك ينظر إليه بأنه «معقد» ومتخلف وغير اجتماعي. نعم عيد الحب بدعة وكل بدعة ضلالة. ليس بالمعنى الديني الذي يقوله السلفيون، بل بالمعنى الإنساني والثقافي، ضلالات تكلف جيوب الناس الكثير من الأموال التي تصرف على هدايا وسلع استهلاكية لا نفع لها، وتتسبب في كثير من الاحيان في مشاكل عائلية، وتسبب كآبة إضافية لمن يعاني اصلاً من كآبة أو ظروف صعبة، والمستفيد الوحيد هم التجار المترفون، عيد الحب، عيد الأم، عيد الأب… الخ. كان الناس في الماضي يحبون بعضهم بعضاً ويهتمون بأمهاتهم وآبائهم اكثر بكثير قبل أن يخصص التجار اياماً للحب».
ومع كل تداعيات الدين والسياسة والسوق يبقى الناس يحتفلون بيوم الحب، ربما بدون معرفة السبب أو تاريخ المناسبة أو من يقف وراءها، لكنها في نظرهم فسحة حب في زمن الكراهية.
كاتب عراقي
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات