الوثيقة | مشاهدة الموضوع - لماذا تستبعد مصر الخيار العسكري بعد انهيار الوساطة الامريكية في ازمة سد النهضة؟ وهل سيخرج آبي احمد فائزا فيها مثلما فاز بجائزة نوبل على حساب “طيبة” الاشقاء المصريين؟ وما دور إسرائيل في جميع الحالات؟ ولمن ستكون أولوية الحرب في اثيوبيا او ليبيا اذا اشتعلت؟
تغيير حجم الخط     

لماذا تستبعد مصر الخيار العسكري بعد انهيار الوساطة الامريكية في ازمة سد النهضة؟ وهل سيخرج آبي احمد فائزا فيها مثلما فاز بجائزة نوبل على حساب “طيبة” الاشقاء المصريين؟ وما دور إسرائيل في جميع الحالات؟ ولمن ستكون أولوية الحرب في اثيوبيا او ليبيا اذا اشتعلت؟

مشاركة » الاثنين يناير 13, 2020 5:58 pm

عبد الباري عطوان
مصر تعيش هذه الأيام ازمة مزدحمة تقف في مواجهتها وحيدة دون أي دعم عربي او دولي، الأولى وجودية تتعلق بفشل خمس جولات من المفاوضات التي جاءت في اطار وساطة امريكية بحثا عن حلول للخلاف حول تشغيل سد النهضة وملئ خزاناته بالمياه، والثانية في الغرب، وليبيا بالذات، وتتعلق بالأمن القومي المصري بشقيه السياسي والعسكري.
رئيس الوزراء الاثيوبي آبي احمد، اصغر زعماء افريقيا سنا (43 عاما)، يتمتع بدهاء كبير، اكتسبه من علاقاته الوثيقة بدولة الاحتلال الإسرائيلي الذي زارها اكثر من مرة، واستقبل رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في مقر قمة الاتحاد الافريقي في اديس ابابا، وهناك اعتقاد سائد بأن نسبة كبيرة من مستشارية إسرائيليون في مختلف المجالات.
الرئيس احمد خدع الاشقاء المصريين بكلامه المعسول، والقسم على المصحف، وربما الانجيل، بأنه لن يقدم على أي خطوة تلحق ضررا بحصتهم من مياه نهر النيل، فصدقوه واشادوا به، وفتحوا له بعد الاريتريين أبواب جائزة نوبل للسلام ليفوز فيها دون منازع، ودون ان يحقق أي سلام مع مصر، او يتنازل عن متر مكعب من مياه النيل، وربما ينخرط معها في حرب مدمرة، اذا فشل لقاء واشنطن الثلاثي لوزراء الخارجية والري في الدول الثلاث (مصر والسودان واثيوبيا) الذي سيعقد اليوم حيث تؤكد معظم المؤشرات ان احتمالات فشله والانهيار للوساطة الامريكية (انعقدت خمسة لقاءات حتى الآن في مصر واثيوبيا والسودان دون نتيجة)، اكبر بكثير من احتمالات النجاح، والاحتمال المرجح ان يتم تمديد المفاوضات لشهر او آخر، وهذا ما تريده اثيوبيا لإطالة امد مرحلة الغموض، والآلام المصرية.
***
استراتيجية رئيس وزراء اثيوبيا الثعلب الداهية آبي احمد، هي إطالة امد المفاوضات الى اقصى قدر ممكن، وحتى يكتمل بناء سد النهضة في عام 2023، ودون تقديم أي تنازلات عن مواقفه المتصلبة لمصر تحديدا، وبما يمكنه من فرض امر الواقع تحت عنوان السيادة.
هذه الاستراتيجية تذكرنا بنظريتها التي اتبعتها دولة الاحتلال الاسرائيلي في مفاوضات أوسلو مع الفلسطينيين التي امتدت لحوالي 25 عاما، واستولت خلالها الدولة العبرية على معظم الضفة الغربية ومياهها، وارضها وتجارتها، وهي الآن بصدد ضمها وبدعم امريكي، وتحولت السلطة الفلسطينية الى “غيتو” فيرام الله تطاردها اللعنات، وطار حل الدولتين في المجهول.
المخطط الاثيوبي السري غير المعلن طبعا، هو التحكم المطلق بمياه النيل الازرق الذي يشكل 80 بالمئة من مصادر مياه نهر النيل، بإقامة اربعة سدود لتخزين كميات من المياه في خزاناتها الضخمة، وبما يؤدي في النهاية الى تخفيض الحصة المصرية الكبرى التي تزيد عن 55.5 مليار متر مكعب سنويا، وتخفيض انتاج السد العالي من الكهرباء الى ما يقرب النصف.
الاثيوبيون يقولون ان مياه النيل الأزرق تنبع جميعها من المرتفعات والبحيرات الاثيوبية، والمسألة سيادية بالدرجة الأولى، واي تدخل مصري هو انتهاك لهذه المسألة لا يمكن القبول به، وجميع الاتفاقات الموقعة بين البلدين حول توزيع حصص المياه كانت من طرف واحد، أي الطرف المصري السوداني واثناء زمن الاحتلال البريطاني.
اللافت ان السيد عبد الله احمدوه، رئيس وزراء السودان يمسك العصا من الوسط، ويحاول ان يبقى على مسافة واحدة من الطرفين لان حصته من المياه لن تتضرر ويريد الحفاظ على صداقة اثيوبيا وكهربائها الرخيصة.
السلطات المصرية لا تعارض ملأ خزانات سد النهضة بالمياه، ولكنها تعارض اتمامها دفعة واحدة في غضون سنتين موعد اكتمال بناء سد النهضة، لان هذا سيودي الى تخفيض حصتها من المياه لحوالي 20 مليار متر مكعب دفعة واحدة وربما اكثر، ولعدة سنوات، مما يؤدي الى تجويع اكثر من 5 ملايين فلاح مصري على الأقل.
آبي احمد، الذي عمل على افشال الوساطة الامريكية ووصول خمس اجتماعات لوزراء الري والخارجية الى طريق مسدود، اقترح، وفي اطار سياسة كسب الوقت، ان يقوم الرئيس الجنوب افريقي سيريل رامافوزا ببدء وساطة جديدة بين مصر واثيوبيا لايجاد حل للازمة، تحل محل الوساطة الامريكية الفاشلة الامر الذي تتجه السلطات المصرية الى رفضه، والبحث عن خيارات أخرى.
اثيوبيا “رشّت” جميع الدول الافريقية المحيطة بها من خلال عروض بإمدادات كهرباء نظيفة من انتاج “طوربينات” سد النهضة، وبأسعار منخفضة جدا، ونحن نتحدث هنا عن السودان الشمالي والجنوبي والصومال واريتريا وجيبوتي وكينيا واوغندا، وحتى جنوب مصر أي انها حشدت اكثر من 6 دول افريقية الى جانبها باتت اقرب الى وجهة نظرها في ازمة السد، بينما يقوم حلفاء مصر العرب بالاستثمار وتقديم القروض للحكومة الاثيوبية لدعم موقفها.
خيارات مصر تبدو محدودة للأسف ويمكن حصرها في النقاط التالية:

أولا: الرهان ان تتدخل تتدخل أمريكا وتضغط بقوة على اثيوبيا لتقديم تنازلات وابداء مرونة مع المطالب المصرية، وهذا مستبعد، لان اثيوبيا تحظى بدعم اللوبي اليهودي الإسرائيلي أولا، ولان ترامب يعتبر اثيوبيا مركز نفوذ بلاده الأهم في القارة الافريقية باعتباره مسيحيا متعصبا ثانيا، وانتهاء دور مصر العربي والإقليمي ثالثا.
الثاني: اللجوء الى الاتحاد الافريقي ومجلس الامن في لاهاي، والتحكيم الدولي، وهذه مسألة معقدة، علاوة على كونها تتطلب موافقة كل اطراف النزاع.
الثالث: سحب القاهرة لموافقتها على الاتفاق الاطاري حول السد بين الدول الثلاث، اثيوبيا ومصر والسودان من خلال تصويت البرلمان، الامر الذي سيدفع اثيوبيا الى اتخاذ القرار نفسه والانسحاب.
الرابع: الخيار العسكري، أي نسف سد النهضة، وتثوير الجماعات العرقية والإسلامية الصومالية في داخل اثيوبيا والصومال (إقليم اوغادين)، ودعم ارتريا في الخلاف الحدود، او ما تبقى منه.

***
جميع هذه الخيارات محفوفة بالمخاطر بالنسبة الى الجانبين المصري والاثيوبي، فقصف مصر سد النهضة المحمي بمنظومات صواريخ إسرائيلية قد لا يحقق أهدافه جميعا، وربما يؤدي الى رد بقصف السد العالي في المقابل، وربما بصواريخ إسرائيلية او امريكية، أيضا، او صفقة يجري فرضها على مصر بإيصال مياه النيل الى الدولة العبرية، ومن حصتها السنوية.
الجيش المصري ليس مهيئا في الوقت الراهن لخوض حربين، واحدة لحفظ الامن القومي المصري في الغرب الليبي، او الامن المائي في الجنوب الاثيوبي، وهناك من يقول انه لم يعد مؤهلا لخوض الحروب بسبب انشغاله في الحرب في سيناء ضد الإرهاب، وتفرغ وحدات منه في انجاز مشاريع التنمية الصناعية والخدماتية الداخلية لإنقاذ الاقتصاد المصري، ولكن هناك وجهة نظر أخرى تؤكد جاهزيته وتطور تسليحه واستعداده للمواجهتين منفردتين او مجتمعتين والله اعلم.
مصر تحتاج الى قرارات حاسمة، فتخلي أمريكا عنها، وتفضيل اثيوبيا عليها، وإدارة ظهرها لازمة سد النهضة، والوقوف في الخندق الإسرائيلي يجب ان يدفع مصر لإلقاء كل ثقلها في المعسكر المقابل لامريكا وإسرائيل، واستعادة دوريها القيادي والريادي كأحد الخيارات، الامر الذي سيقلب كل المعادلات في المنطقة.. فهل تفعل؟ لسنا من يملك الجواب؟
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات