باريس: عززت الولايات المتحدة قواتها في منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة، لا سيما عبر نشر مجموعة بحرية تقودها حاملة الطائرات “يو اس اس أبراهام لينكولن”، بعد تهديد الرئيس دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية الى إيران.
في ما يأتي عرض للخيارات العسكرية المتاحة أمام واشنطن في حال قررت تحويل التهديد واقعا، وهي تراوح بين ضربات دقيقة ذات أهداف محددة، وصولا الى حملة واسعة تضعف الجمهورية الإسلامية وربما تطيح بقادتها.
الوسائل العسكرية الأمريكية
لوّح ترامب بالتدخل عسكريا دعما للمشاركين في الاحتجاجات المناهضة للسلطات في الجمهورية الإسلامية التي اندلعت أواخر كانون الأول/ديسمبر، وفي مواجهة حملة القمع التي نفّذتها السلطات وأسفرت عن مقتل الآلاف.
ويضم الأسطول الأمريكي السفينة “أبراهام لينكولن” التي تحمل أكثر من 80 طائرة، إضافة الى “المجموعة الضاربة” المرافقة لها والتي تضم ثلاث مدمرات مجهّزة بصواريخ توماهوك وتتمتع بقدرات مضادة للصواريخ.
وأعلنت واشنطن الاثنين أن هذه المجموعة التي عادة ما ترافقها غواصة هجومية تحمل أيضا صواريخ توماهوك المخصصة لضرب أهداف برية، وصلت الى مياه منطقة الشرق الأوسط.
وتعزز هذه المجموعة القدرات العسكرية الأمريكية الموجودة أساسا في المنطقة، إذ تنشر واشنطن أربع سفن لمكافحة الألغام في البحرين للتصدي لأي عرقلة للملاحة في مضيق هرمز، ولديها عشرات الطائرات في قواعد جوية في دول منها قطر والامارات والأردن.
كما تحدثت مواقع الكترونية ترصد الملاحة الجوية، عن وصول طائرات نقل تحمل بطاريات للدفاع الجوي، وأسرابا من طائرات إف-15.
ماذا يريد دونالد ترامب؟
أعرب الرئيس الأمريكي الخميس عن “أمله” بتجنب القيام بعمل عسكري ضد إيران، لكنه حذّرها كذلك من أن الوقت ينفد للتوصل الى اتفاق بشأن برنامجها النووي الذي يثير حفيظة دول غربية.
الضربات الأمريكية على منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025 رفعت كلفة أي اتفاق نووي وبدّلت موقف طهران بشكل واضح
لكن الضربات التي شنّتها الولايات المتحدة على منشآت نووية إيرانية في حزيران/يونيو 2025 خلال الحرب الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية، بدّلت من موقف طهران في هذا الملف، بحسب ما يقول محللون.
ويوضح الباحث في معهد الدراسات العليا في جنيف فرزان ثابت “ارتفع بشكل كبير الثمن الذي تطلبه إيران مقابل الاتفاق”.
ويرى الباحث أن واشنطن تسعى الى أن وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم في إيران بالكامل، وتقييد قدراتها في مجال الصواريخ البالستية، و”تفكيك أو فرض قيود صارمة” على حلفائها الإقليميين مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.
ويعتبر دافيد خلفا، الباحث في مؤسسة جان جوريس في فرنسا، أن القبول بهذه الشروط سيكون “شكلا من أشكال الاستسلام” غير المقبول بالنسبة الى طهران.
ويرجح المحلل أن يعتمد ترامب “الخيار العسكري” لأسباب عدة أبرزها إظهار قدرته على فرض خطوطه الحمراء.
ضربات محدودة؟
يرى ثابت أن القوات الأمريكية قد تعمد الى استهداف السفن التي تُصدّر النفط الإيراني، كما فعل ترامب مع فنزويلا، من أجل تكبيل الاقتصاد وانتزاع صفقة.
القوات الأمريكية قد تعمد الى استهداف السفن التي تُصدّر النفط الإيراني، كما فعل ترامب مع فنزويلا، من أجل تكبيل الاقتصاد وانتزاع صفقة
كما يمكنه اللجوء الى “ضربات محدودة، أو حرب ذات أهداف ضيقة”، ما يتيح له القول إنه فرض خطه الأحمر دون الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط.
يمكن لعملية كهذه أن تستهدف أنظمة الدفاع الجوي ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، على غرار بعض الضربات الإسرائيلية في حزيران/يونيو.
وترجح المحللة المستقلة في شؤون الشرق الأوسط إيفا كولوريوتي أن تستهدف هذه الضربات مواقع للحرس الثوري وقوات “الباسيج” التابعة له.
وتوضح أن “أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بدعم من الموساد الإسرائيلي، لديها رؤية واضحة” بشأن هذه القوات ومواقعها.
ضربات واسعة؟
احتمال آخر هو أن تنفّذ الولايات المتحدة ضربات تستهدف “كل ركائز النظام الإيراني، بدءا من قمة الهرم، أي المرشد علي خامنئي، وصولا الى القوات المسلحة وقيادة الحرس الثوري، فضلًا عن كبار المسؤولين السياسيين الذين يشكّلون النواة الصلبة للنظام”، بحسب الباحثة إيفا كولورييوتي.
احتمال آخر هو أن تنفّذ الولايات المتحدة ضربات تستهدف “كل ركائز النظام الإيراني، بدءا من قمة الهرم، أي المرشد علي خامنئي، وصولا الى القوات المسلحة وقيادة الحرس الثوري
وتضيف المحللة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، أن ضربة كهذه “ستشمل أيضا تحييد القواعد العسكرية الرئيسية، وبرنامج الصواريخ وما تبقّى من البرنامج النووي”.
ويوضح دافيد خلفا أن “الهدف الأمريكي هو زعزعة النظام. لذا هناك فعلا استراتيجية ستسعى إلى شلّه، وإرباك سلسلة القيادة والسيطرة… عبر تصفية خامنئي ومستشاريه المقرّبين والعقول المدبّرة” خصوصا لقيادة الحرس الثوري.
ويشدد الباحث على أنه رغم ذلك “النظام يبقى متينا وصلبا… ولن تكون المسألة سهلة”، لا سيما وأن الحرس الثوري “يتوقع هذا السيناريو”.
ويرجح أن واشنطن تدرس الاعتماد على القوة الجوية “على أن يوفر المجتمع الإيراني بنفسه ‘القوات على الأرض'”، في إشارة ضمنيا الى أن تؤدي الضربات الى تحركات احتجاجية.
من جهته، لا يرى ثابت حاليا مؤشرات على أن واشنطن تفضّل إسقاط الجمهورية الإسلامية القائمة منذ 1979 بالكامل.
الرد الإيراني
على الرغم من أنها تضررت بشدة خلال الحرب في حزيران/يونيو 2025، تبقى قدرات إيران على الرد قائمة.
ويرجح ثابت أن طهران لديها ما بين 1500 و2000 صاروخ بالستي متوسطة المدى قادرة على ضرب إسرائيل، يضاف إليها عدد أكبر من الصواريخ البالستية القصيرة المدى “دقتها أعلى بكثير”، وصواريخ كروز ومضادة للسفن قادرة على التسبب باضطراب واسع في الخليج، فضلا عن زوارق صغيرة سريعة مجهّزة بصواريخ.
كما لطهران قدرات واسعة في مجال الطائرات المسيّرة من طرز مختلفة.
وتعتبر الباحثة كولوريوتي أن قرار إيران بالرد من عدمه “سيعتمد على طبيعة وحجم الضربة الأمريكية”.
(أ ف ب)