الوثيقة | مشاهدة الموضوع - إيران تفاوض الأمريكيين في مسقط وكأن شيئاً لم يتغيَّر في موقعها… ماذا عن ترامب؟!
تغيير حجم الخط     

إيران تفاوض الأمريكيين في مسقط وكأن شيئاً لم يتغيَّر في موقعها… ماذا عن ترامب؟!

مشاركة » الأحد فبراير 08, 2026 7:30 pm

ليس واضحاً ما الذي خرجت به مفاوضات مسقط التي عُقدت في السادس من شباط/فبراير الحالي. في واقع الأمر، لا شيء يشي بأن إيران غَيَّرت أسلوبها. تصاريح مسؤوليها لم تتغيّر، وكأن حرب الـ12 يوماً لم تشنها إسرائيل عليها ولا ضربت أمريكا مواقعها النووية الأبرز. وكأنها لا تُعاني مأزقاً اقتصادياً داخلياً، ولا حصاراً مفروضاً على «أسطول الظل النفطي»، ولا رسوما جمركية عقابية على الدول التي تتعامل معها تجارياً، ولا مزيداً من حزَم العقوبات، ولا احتجاجات غطّت مجمل محافظاتها، ولا دماء كثيرة سالت، وما زالت خارج اليقين من حيث حجمها.
يُجاهر النظام الإيراني في وضعه الشروط وكأن حلفاءه في غزة لم يسقطوا؛ ولا مُني «حزب الله» في لبنان بخسارة كبرى، وهو الذي يُعتبر «درّة تاج» أذرع «الحرس الثوري» في المنطقة؛ ولا كأنه خسر سوريا وانقطع خط طهران – بيروت. يتصرَّف وكأن دونالد ترامب ليس «السيد» القاطن في «البيت الأبيض»؛ وكأن أوروبا ما زالت تتماهى معه ولم تُبدِّل موقفها وتتصلّب وتنقلب عليه؛ وكأن الحليف الروسي ليس غارقاً في حربه مع أوكرانيا ولم يُحيِّد نفسه عن المواجهة مع إسرائيل ولن يفعل ذلك ثانية إذا اندلعت الحرب مع أمريكا؛ وكأن الصين دخلت الحرب تضامناً معه وستعاود فعلتها ثانية!
لا مقاربة إيرانية جديدة مع استمرار الموقف المعلن من دون تبديل: حصر التفاوض في البرنامج النووي؛ الحق في التخصيب النووي السلمي؛ لا لصفر تخصيب؛ رفض البحث في ملف الصواريخ الباليستية؛ تحييد ملف الأذرع في المنطقة عن النقاش. إذاً، ما الجديد الذي يمكن أن يُشكل اختراقاً في المفاوضات ويَحُول دون ضربة أمريكية – إسرائيلية أو إسرائيلية بقيادة أمريكية من الخلف؟
الخارجية العُمانية التي ينقل وزيرها المقترحات والرسائل بين غرفتين منفصلتين قالت إن «المشاورات ركزت على تهيئة الظروف المناسبة لاستئناف المفاوضات الدبلوماسية والفنية». هذا يعني عملياً أنها كانت مفاوضات من أجل إحياء المفاوضات.
«بداية جيدة» بحسب توصيف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: «جرت جولات تفاوض بشكل غير مباشر، وتبادلنا مخاوفنا ووجهات نظرنا في أجواء جيدة للغاية، وتلقّى كل طرف مواقف الطرف الآخر، وهناك اتفاق على استمرار المفاوضات. وإذا استمر هذا المسار سنتوصل إلى إطار جيّد للاتفاق لاحقاً، وسيتم اتخاذ القرار حول كيفية استمرار المفاوضات في العواصم».
عملياً المفاوضات لا تزال بالنسبة للإيرانيين في مرحلة إعادة بناء ثقة والاتفاق على إطارها وكيفية استمرارها والبحث في المكان والزمان. في الترجمة السياسية للموقف الإيراني: هي مفاوضات لملء فراغ، لكسب وقت، لتمرير مرحلة، وللرهان على «تطورات ما» قد تقلب المشهد وتُعدِّل الدفّة. هل تنجح؟ ربما في زمن الديمقراطيين كان ممكناً المماطلة من أجل تحقيق مكاسب أكثر اتكاءً على ما كان لدى طهران من قدرة تفاوضية وصبر. ولكن اليوم في زمن ترامب، من الصعب اعتماد الأساليب نفسها. فصبر الرجل قصير، وطموحاته بالنجاح كبيرة، ولا يتوانى عن تكرار شعار «فرض السلام بالقوة». هو لا يلعب على حافة الهاوية بل يحسبها بدقة. يريد إنجازات يُجيِّرها لصورته، وهي ممكنة من وجهة نظره باستخدام سياسة «الضغط القصوى» بكل ما أوتي من إمكانات وصولاً إلى العمليات الخاطفة التي من شأنها أن تُغيِّر المشهد.
شهدت المفاوضات للمرة الأولى وجوداً عسكرياً أمريكياً وسط طيف من الدبلوماسيين. قُرئت مشاركة قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، الأدميرال براد كوبر على أنها رسالة تصعيدية رمزية وعملية في آن واحد، تُدخل المسار التفاوضي في إطار «الدبلوماسية تحت التهديد». فحضور المسؤول العسكري الأعلى عن العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تحرّكات عسكرية شملت حاملات طائرات وأسراب مقاتلة، لا يمكن تفسيره على أنه رسالة تهدئة، بحسب ما فهمه خبير إيراني مقرَّب من النظام.
ما كادت تنتهي الجولة الأولى التي سبقتها تسريبات عن إلغائها أمريكياً ومن ثم انعقادها بعد تواصل 9 دول مع ترامب لعدم الإلغاء، حتى ساد صمت أمريكي رسمي يصل إلى حد الريبة. ساعات طويلة مرَّت من دون تعليق أمريكي. لم يطلّ ترامب عبر شاشات التلفزة، ولا خرجت أي إشادة بالجولة الأولى وبالتعاون الإيراني. ما حصل هو أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات جديدة للحدّ من صادرات النفط الإيرانية تشمل استهداف 14 سفينة. وأكثر من ذلك، وقَّع ترامب أمراً تنفيذياً يُهدِّد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران. وحثت واشنطن مواطنيها، خصوصاً من مزدوجي الجنسية، على مغادرة إيران «الآن» عبر الحدود البرية المفتوحة مع دول الجوار، ما عدا أفغانستان، والعراق، وباكستان.
يمكن إدراج الإجراءات الأمريكية في سياق الضغوط غير العسكرية لتجنب الذهاب إلى خيارات الحرب التي لا يحبّها الرجل، ولكن يمكن في الوقت نفسه قراءاتها على أنها إشارات سلبية لِما يمكن وصفه بـ«العناد الإيراني»، وكأن الزمن توقف عند السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قبل أن يتحوَّل العالم برمته على وقع عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام.
يرى محللون إيرانيون معارضون أن فرص نجاح المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تبقى محدودة، في ظل نفوذ جناح قوي داخل دوائر صنع القرار في طهران يضم عسكريين وسياسيين ورجال دين. ويعتقد هذا التيار أن كلفة المواجهة العسكرية مع واشنطن تبقى، من وجهة نظره، أقل خطورة من كلفة اتفاق يُجبر إيران على تقديم تنازلات في ملفها النووي. كما يرى أن أي تسوية من هذا النوع لن تؤدي فقط إلى إضعاف النظام، بل قد تفتح الباب أمام تآكله الداخلي وصولًا إلى تفككه على المدى الأبعد. غير أن ثمة من يرى أن النظام الإيراني سيقدم تنازلات في الملف النووي إذا كان ذلك يضمن بقاءه، ويمكن عندها أن يكون الجانبان يطبّقان معادلة «رابح رابح»، ولكن ماذا عن إسرائيل ومطلب إضعاف إيران ليس فقط من خلال إنهاء برنامجها النووي بل القضاء على برنامجها الصاروخي الباليستي الذي يُشكِّل من وجهة نظرها خطراً وجودياً عليها، وماذا عن أذرعها؟ هل ستسقط من قبل الدول التي تنتشر على أراضيها؟
الأكيد أنه من المبكر جداً توقع ارتفاع منسوب الدبلوماسية على الحرب. ربما نكون بين خليط من اثنين.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron