تغيير حجم الخط     

“خطر استراتيجي”.. كيف تقرأ إسرائيل إعادة تأهيل خط أنابيب النفط بين العراق وسوريا؟

مشاركة » الاثنين يوليو 27, 2026 2:33 pm

في 17 تموز 2026، وقّعت الحكومتان العراقية والسورية مذكرة تفاهم لاستئناف تشغيل خط أنابيب النفط التاريخي كركوك-بانياس، المتوقف منذ حرب العراق عام 2003. يربط هذا الخط حقول النفط في منطقة كركوك شمال العراق بميناء بانياس على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في سوريا. يبلغ طول الخط حوالي 800 كيلومتر وقطره حوالي 81 سنتيمترًا، وقد بُني في خمسينيات القرن الماضي بهدف تمكين العراق من تصدير النفط عبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، بدلًا من الاعتماد على طرق التصدير عبر الخليج العربي. أُغلق الخط عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين، ما أدى إلى تضرر البنية التحتية للطاقة، وعدم الاستقرار الأمني، وانقطاع خط التصدير عبر سوريا.

يحظى الاتفاق بدعم أمريكي، يتجلى على مستويات متعددة. على الصعيد السياسي، رحّبت وزارة الخارجية الأمريكية رسميًا بمذكرة التفاهم بين العراق وسوريا، وقدّمت مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس كخطوة ذات أهمية إقليمية لتعزيز أمن الطاقة وتنويع مسارات التصدير. وعلى الصعيد الدبلوماسي، شارك المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، الذي يشغل أيضاً منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا ويُعتبر من المقربين للقيادات التركية العليا، في دعم المحادثات بين الطرفين ووضع الخطوط العريضة للتعاون. أما على الصعيد التجاري، فقد شجّعت الولايات المتحدة مشاركة الشركات الأمريكية في المشروع، وعلى رأسها شركة شيفرون، التي يُتوقع أن تلعب دورًا محوريًا في إعادة تأهيل وتوسيع البنية التحتية لخط الأنابيب. إضافةً إلى ذلك، شجّعت الولايات المتحدة إنشاء تحالف دولي يضم شيفرون، وشركة تي آي كابيتال الأمريكية، وشركة يو سي سي القابضة القطرية، ويتمثل دوره في إعداد دراسات الجدوى الفنية والمالية، ووضع إطار عمل تنفيذي لإعادة تأهيل خط الأنابيب.

بالتزامن مع توقيع الاتفاقية مع سوريا وشركة شيفرون، وقّعت الحكومة العراقية في 17 تموز سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع شركات طاقة غربية بقيمة إجمالية تتجاوز 60 مليار دولار، لتعزيز قدراتها التصديرية. وعلى وجه التحديد، تم توقيع اتفاقيات مع شيفرون وشركة الطاقة الأمريكية كونوكو فيليبس لتطوير حقول نفط جديدة وبنية تحتية لنقل الطاقة في العراق.

أهمية هذه الخطوة

يهدف إعادة تأهيل خط الأنابيب إلى توفير مسار تصدير بديل للنفط العراقي عبر ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط، مما يقلل الاعتماد على النقل عبر مضيق هرمز. بالنسبة للعراق، يُعزز إنشاء مسار تصدير غربي استقلاليته الاقتصادية ويُوسع خياراته التجارية مع أوروبا والأسواق الدولية، بينما يُتوقع أن تستفيد سوريا من عائدات البنية التحتية للنقل وتعزيز مكانتها الإقليمية.

لقد جاءت هذه الخطوات في ظل الاضطرابات الخطيرة التي شهدتها صادرات النفط العراقية عبر الخليج العربي، منذ إغلاق مضيق هرمز عقب المواجهة العسكرية مع إيران، والتي أبرزت هشاشة نظام الطاقة الإقليمي أمام أي اضطرابات في مضيق هرمز. فمنذ شباط، انخفضت صادرات النفط العراقية (ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك) بنحو 85 في المئة، لتصل إلى حوالي 0.5 مليون برميل يوميًا فقط، نتيجة إغلاق مسار التصدير الرئيسي للبلاد.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا لا يُعد بديلاً كاملاً لصادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز. فقد كانت الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب كركوك-بانياس الأصلي حوالي 300 ألف برميل من النفط يوميًا، ولكن من المتوقع أن تصل الطاقة الاستيعابية للخط المُعاد تأهيله إلى حوالي مليوني برميل (وذلك بشكل رئيسي من خلال إعادة تأهيل البنية التحتية القائمة وربطها بحقول النفط في جنوب العراق). مع ذلك، كانت صادرات النفط العراقي عبر الخليج قبل أزمة هرمز تُقدّر بنحو 3.3 مليون برميل يوميًا. هذا يعني أنه حتى مع بلوغه أقصى طاقته، لن يُوفّر المسار الجديد بديلًا إلا لحوالي 60 في المئة فقط من صادرات النفط العراقي التي كانت تمر عبر المضيق، ولن يُلغي الاعتماد عليه تمامًا.

إضافةً إلى ذلك، لا يُعدّ هذا حلًا فوريًا لانقطاع صادرات النفط العراقي عبر مضيق هرمز. ووفقًا للتقديرات، من المتوقع أن تستغرق عملية إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس حوالي 36 شهرًا من تاريخ بدء العمل، نظرًا للحاجة إلى ترميم أجزاء من خط الأنابيب ومحطات الضخ وأنظمة التحكم التي تضررت على مر السنين. مع ذلك، قد تؤدي التأخيرات السياسية والأمنية والمالية إلى تمديد مدة المشروع.

ومع ذلك، يُمثل الاتفاق حلقةً مهمةً أخرى في جهود مُصدّري النفط في الخليج لتنويع مسارات تصديرهم عبر تطوير طرق بديلة جديدة إلى مضيق هرمز. ويتجلى ذلك في جهود المملكة العربية السعودية (زيادة تدفق النفط عبر خط الأنابيب الشرقي الغربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر) والإمارات العربية المتحدة (زيادة الاعتماد على خط أنابيب حبشان-الفجيرة، الذي يسمح بالتصدير عبر خليج عُمان)، مما عزز مرونة نظام التصدير لديهما في مواجهة أي اضطرابات في المضيق.

ومن الناحية الاستراتيجية، يهدف تنويع مسارات تصدير النفط من منطقة الخليج إلى زيادة مرونة سلاسل الإمداد والحد من قدرة إيران على التأثير في سوق الطاقة العالمية، سواءً من خلال السيطرة على مضيق هرمز أو التهديد به. وفي هذا السياق، يتزايد قلق المجتمع الدولي إزاء تعطيل التجارة البحرية في مضيق باب المندب من قِبل الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران.

الآثار المترتبة على إسرائيل

على الصعيد الإقليمي، لا تقتصر الأهمية الرئيسية لإسرائيل على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تشمل أيضاً الجانب الجيوسياسي.

فمن جهة، قد يكون لإسرائيل مصلحة غير مباشرة في نجاح المشروع، إذ يدعم هدفاً استراتيجياً مشتركاً يتمثل في إضعاف النفوذ الإيراني الإقليمي. يندرج خط الأنابيب ضمن مسعى أمريكي أوسع لتنويع مسارات تصدير الطاقة من الشرق الأوسط وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، مع الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.

ومن جهة أخرى، قد يؤدي تجديد خط أنابيب النفط بين العراق وسوريا إلى تقليص قدرة إسرائيل على أن تكون في المستقبل مركزاً محورياً لتصدير الطاقة من الشرق الأوسط إلى الأسواق الأوروبية. فقد بُذلت على مدى سنوات مبادرات عديدة لتحويله إلى محور لنقل الطاقة يربط دول الخليج والأردن وموانئ البحر الأبيض المتوسط ​​في إسرائيل، بهدف تمكين تصدير الطاقة إلى الأسواق الأوروبية. على سبيل المثال، من خلال الاستفادة من بنية خط أنابيب إيلات-عسقلان (EAPC) وربطه مستقبلاً بشبكات الطاقة في دول الخليج (مع ملاحظة أن بعض هذه المبادرات تتطلب تطورات جيوسياسية، لا سيما تطبيع العلاقات مع السعودية ودول أخرى في المنطقة). لذا، فإن إنشاء مسار تصدير مباشر من العراق إلى ميناء بانياس في سوريا يوفر بديلاً برياً لا يمر عبر الأراضي الإسرائيلية، مما يقلل الحافز الاقتصادي والجيوسياسي لترويج بعض هذه المبادرات.

يأتي هذا في وقت يشكل فيه تحول سوريا إلى دولة عبور رئيسية للطاقة في الشرق الأوسط منافسة إقليمية لطموحات إسرائيل في هذا المجال. ومن المرجح أن تؤدي التدفقات الاستثمارية الدولية الواسعة إلى سوريا، بما يعزز مكانتها الاقتصادية والسياسية، إلى تقليل الأهمية النسبية لمسارات الطاقة البديلة التي تمر عبر إسرائيل، ومنح الأولوية لسوريا كدولة عبور. وفي هذا السياق، يغير المشروع خريطة المنافسة بين ممرات الطاقة الإقليمية، ويزيد من عدد بدائل النقل المتاحة لدول المنطقة والمستهلكين في أوروبا، مما قد يقلل من الميزة النسبية لإسرائيل كمسار عبور محتمل للطاقة.

فيتا أبراهاموف

مركز القدس للاستراتيجية والأمن JISS 27/7/2026
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات