الوثيقة | مشاهدة الموضوع - إيران: هل يغير الخوف من التدخل الأجنبي قواعد اللعبة؟ نجاح محمد علي
تغيير حجم الخط     

إيران: هل يغير الخوف من التدخل الأجنبي قواعد اللعبة؟ نجاح محمد علي

مشاركة » الاثنين يناير 12, 2026 3:47 am

تواجه القيادة الإيرانية تحديًا معقدًا يجمع بين الضغوط الداخلية والتهديدات الخارجية. الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في أواخر ديسمبر من العام الماضي، واستمرت حتى الآن، تعكس استياءً شعبيًا متزايدًا من الانهيار الاقتصادي، لكنها أيضًا تثير مخاوف الحكومة من أن تتحول إلى ذريعة لتدخل أجنبي، خاصة مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي هدد بالتدخل العسكري إذا ازداد القمع.
هذا الوضع يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الخوف من التدخل الخارجي يدفع طهران إلى تعديل استراتيجيتها في التعامل مع الاضطرابات الداخلية، أم أنه يعزز من فرص اتخاذ إجراءات استباقية لتعزيز الردع.
بدأت الاحتجاجات في 28 ديسمبر الماضي، مدفوعة أساسًا بانخفاض قيمة الريال الإيراني إلى مستويات قياسية، حيث بلغ سعر صرف الدولار 1.47 مليون ريال في يناير الحالي، مقارنة بـ1.42 مليون ريال في نهاية العام السابق.
هذا الانهيار، الذي أدى إلى فقدان الريال أكثر من 20,000% من قيمته منذ ثورة 1979، تفاقم بسبب مزيج من العقوبات الدولية، سوء الإدارة الاقتصادية، والفساد، مما رفع معدلات التضخم إلى حوالي 42.4% في 2025، مع توقعات باستمرارها فوق 40% في هذا العام.

في البداية، ركزت الاحتجاجات على المطالب الاقتصادية مثل انخفاض الأسعار وتحسين الظروف المعيشية، لكنها سرعان ما تحولت إلى هتافات سياسية تطالب بإنهاء الجمهورية الإسلامية، مع مشاركة أكثر من 340 احتجاجًا في جميع الـ31 محافظة الإيرانية بحلول يناير الحالي.
ردت الحكومة الإيرانية في البداية بإجراءات محدودة، مثل فرض إغلاق على الإنترنت في محاولة للحد من تنسيق الاحتجاجات، وهو ما أدى إلى قتلى بلغ عددهم 62 شخصًا على الأقل بحلول 9 يناير الحالي، بما في ذلك 14 من قوات الأمن و48 متظاهرًا. وعلى عكس الاحتجاجات السابقة مثل الحركة الخضراء في 2009 أو احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” في 2022، تأخرت القوات الأمنية في التحرك العنيف، مع محاولات أولية من الرئيس مسعود بزشكيان لتنفيذ إجراءات تقشفية تهدف إلى دعم الفئات الفقيرة. ومع ذلك، أدت هذه الإجراءات إلى تفاقم الأعباء على الطبقة الوسطى، مما دفعها للانضمام إلى الاحتجاجات بأعداد أكبر، وتحويلها إلى انتفاضة سياسية واسعة النطاق.
يأتي هذا الرد المعتدل نسبيًا في سياق تداعيات الحرب مع الكيان الصهيوني في يونيو الماضي، التي استمرت 12 يومًا وأدت إلى تدمير جزء كبير من البرنامج النووي الإيراني، ومواقع الصواريخ الباليستية، واستشهاد عشرات القادة العسكريين.d
خلال الحرب، أدت ضربات الكيان الصهيوني إلى إضعاف قدرات الردع الإيرانية، بما في ذلك تدمير رادارات ومنشآت عسكرية، مما أدى إلى خسائر اقتصادية هائلة بلغت مئات المليارات من الدولارات، وفقدان الريال أكثر من 40% من قيمته في الأشهر الستة التالية.
كما أدت الحرب إلى إضعاف حلفاء إيران مثل حزب الله في لبنان ونظام بشار الأسد في سوريا الذي سقط، وتخلي معظم الفصائل العراقية عن هويتها العسكرية، مما جعل طهران أكثر عرضة للضغوط الخارجية. في الوقت نفسه، شهدت إيران إجماعًا وطنيًا حول النظام خلال الحرب، مع تخفيف بعض القيود الدينية مثل قوانين الحجاب، لكن هذا التفاهم بدأ يتآكل مع عودة الضغوط الاقتصادية.
يعزز الخوف من التدخل الأجنبي هذه المعضلة. أعلن ترامب أن الولايات المتحدة “جاهزة ومسلحة” للتدخل إذا قتلت إيران المتظاهرين السلميين، مشيرًا إلى استعداد أمريكي لـ”إنقاذ” المتظاهرين.
هذه التصريحات تذكر بالتدخلات السابقة، مثل استخدام مبدأ “مسؤولية الحماية” في ليبيا وسوريا خلال الربيع العربي، حيث تحولت الاحتجاجات إلى حروب أهلية وانهيار دولي. كما يُشار إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كمثال على نموذج أمريكي جديد يركز على الضغط الاقتصادي والعسكري المحدود دون إعادة بناء كاملة للدولة.
من منظور طهران، قد يشجع القمع العنيف على تدخل خارجي، بينما السماح للاحتجاجات بالتوسع قد يؤدي إلى انهيار داخلي.
في رد على هذه التهديدات، عدل المجلس الأعلى للدفاع الإيراني عقيدته الاستراتيجية في 6 يناير، معلنًا استعدادًا لـ”إجراءات استباقية” إذا رُصدت مؤشرات تهديد خارجي.
هذا التحول يعكس مخاوف من ضربات أمريكية أو صهيونية مشابهة لحرب 2025، لكنه يحمل مخاطر تصعيد، حيث قد تؤدي ضربة إيرانية استباقية إلى حرب شاملة.
من جهة أخرى، يمثل هذا التهديد فرصة استراتيجية لإيران، مستفيدة من إنهاك الكيان الصهيوني بعد حربه في غزة ولبنان، وتعافي حزب الله، وتشتت الاهتمام الأمريكي نحو أمريكا اللاتينية تحت شعار “أمريكا أولاً”.
ومع ذلك، يظل الاقتصاد الإيراني العامل الحاسم. مع نمو اقتصادي سلبي بلغ -1.7% في 2025، وتوقعات بانكماش 2.8% في 2026، وتضخم يصل إلى 48.6% في أكتوبر الماضي، يواجه النظام تحديات هيكلية عميقة.
هذه الظروف، المفاقمة بحرب حزيران الماضي، توسع دائرة الفقر وتزيد من البطالة، مما يجعل الغضب الشعبي مستمرًا على المدى المتوسط. وبينما يمكن للخوف من التدخل أن يجبر النظام على الحذر، يعتقد آخرون أن المبادرة الاستباقية قد تعزز الردع وتعيد تشكيل التوازن الإقليمي.
في النهاية، تبقى إيران محاصرة بين تهديد خارجي من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وتهديد داخلي من الاحتجاجات. لا يوجد حل سهل، وقد يحدد كيفية التعامل مع هذه المعضلة مستقبل النظام، سواء بالانهيار أو بالتكيف. الفرص الاستراتيجية نادرة، لكن استغلالها يتطلب توازنًا دقيقًا بين الدفاع والمبادرة.
ورغم تعقيد المشهد وضيق هوامش الحركة، لا تزال إيران تمتلك عناصر قوة لم تُستنزف بالكامل، في مقدمتها تماسك الدولة العميقة، والخبرة التراكمية في إدارة الأزمات المركّبة، وقدرتها التأريخية على امتصاص الصدمات والتحول تحت الضغط بدل الانهيار. فالتجربة الإيرانية، منذ 1979، أثبتت أن النظام غالبًا ما يخرج من المنعطفات الحادة أكثر حذرًا وواقعية، لا أكثر تهورًا. وإذا ما نجحت طهران في إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، واحتواء الغضب الاجتماعي بإصلاحات اقتصادية وسياسية مدروسة، دون تقديم تنازلات سيادية للخارج، فإن الخوف من التدخل الأجنبي قد يتحول من عامل تهديد إلى عنصر ردع، يمنح إيران فرصة لإعادة تثبيت توازنها الداخلي، واستعادة موقعها الإقليمي كلاعب صعب لا يمكن كسره لا بالعقوبات ولا بالاضطرابات.
صحافي استقصائي مختص في الشؤون الإيرانية والاقليمية
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron