تغيير حجم الخط     

البرلمان العراقي: حضور نسائي عددي وتأثير سياسي محدود هيمنة الأحزاب تعيق فاعلية النساء في صناعة القرار

مشاركة » الثلاثاء مارس 31, 2026 6:14 am

بغداد / تبارك عبد المجيد

في بلد يعتمد نظام الكوتا منذ سنوات لضمان تمثيل النساء داخل البرلمان، لا يزال حضور البرلمانيات يثير تساؤلات بشأن تأثيره الفعلي في صناعة القرار. فمنذ الدورات البرلمانية الأولى بعد عام 2003، حققت النساء حضوراً عددياً لافتاً داخل المؤسسة التشريعية، وتولت بعضهن رئاسة لجان ومواقع متقدمة، إلا أن هذا التقدم الكمي لم ينعكس دائماً على مستوى الأداء التشريعي أو الدفع باتجاه سياسات أكثر إنصافاً للمرأة.



وعلى امتداد الدورات السابقة، تراوح دور البرلمانيات بين محاولات فردية لطرح قضايا تتعلق بحقوق النساء، والانخراط في الأجندات الحزبية التي غالباً ما طغت على أولويات العمل النيابي. وفي ظل بيئة سياسية معقدة وهيمنة الكتل على القرار، بقيت مساهمة النساء محكومة بسقف التوازنات السياسية، ما أثار جدلاً متكرراً حول ما إذا كان هذا الحضور يمثل تمكيناً حقيقياً أم استجابة شكلية لمتطلبات قانونية.
وتقول الباحثة السياسية سارة كريم إن تقييم دور النساء داخل البرلمان لا يمكن فصله عن التقييم العام لأداء المؤسسة التشريعية، مشيرة إلى أن الصورة السائدة عن البرلمان خلال الدورات الأخيرة تتسم بقدر كبير من السلبية. وتضيف أن البرلمان لم يعد يؤدي دوره الدستوري، بل تحول في كثير من الأحيان إلى ساحة تعكس توجهات الكتل السياسية أكثر مما تعكس مصالح المجتمع.
وترى كريم أن هذا الواقع ينعكس على أداء النساء البرلمانيات، إذ إن ضعف الدور التشريعي والرقابي للمؤسسة يطغى أيضاً على حضور المرأة داخلها. ووفقاً لها، فإن وجود النساء في البرلمان غالباً ما يأتي نتيجة متطلبات قانونية فرضتها آلية الكوتا أو ترتيبات انتخابية داخل الأحزاب، أكثر مما يعكس إيماناً حقيقياً بدور المرأة في العمل السياسي أو تمثيل قضايا النساء العراقيات.
وتوضح أن طبيعة النظام الانتخابي تسمح أحياناً بوصول مرشحات بعدد أصوات أقل مقارنة بالمرشحين الرجال، ما يدفع بعض الأحزاب إلى ترشيحهن ضمن حسابات سياسية وانتخابية. وبذلك يصبح وجود المرأة في البرلمان، في كثير من الحالات، مرتبطاً بمصالح الأحزاب وتوازناتها الداخلية أكثر من ارتباطه برؤية سياسية تعزز مشاركتها في صنع القرار.
وفي ما يتعلق بالتحديات، تشير كريم إلى أن طبيعتها تختلف بحسب مسار دخول المرأة إلى الحياة السياسية. فالمرشحات المستقلات يواجهن صعوبات مضاعفة، أبرزها التحدي المالي، في ظل تنامي تأثير المال السياسي على نتائج الانتخابات، ما يجعل المنافسة أكثر صعوبة لمن لا يمتلكن دعماً حزبياً أو موارد كافية.
أما المرشحات المدعومات حزبياً، فتكون مشكلة التمويل أقل حدة، غير أنهن يواجهن تحديات أخرى، مثل حملات التشويه واستهداف السمعة، وهي ظاهرة تطال النساء بشكل خاص رغم وجود إجراءات رسمية للحد منها. وتضيف أن هذه الضغوط قد تصل أحياناً إلى تهديدات تمس السلامة الشخصية، خصوصاً في المناطق المتوترة أو عند تناول قضايا جدلية.
وفي ما يتعلق بواقع حقوق النساء، ترى كريم أن المؤشرات تدل على اتساع الفجوة، إذ لا تزال كثير من النساء ينتظرن تشريعات تعزز حضورهن في المجتمع وسوق العمل وتوفر حماية قانونية أكبر، في حين لم يحقق الواقع التشريعي هذه التطلعات. وتؤكد أن المشكلة لا تقتصر على طرح قوانين تُعد غير منصفة، بل تشمل أيضاً غياب المبادرات التشريعية الداعمة لحقوق المرأة.
من جهتها، تقول الناشطة النسوية أروين عزيز إن النقاش حول دور النساء في البرلمان غالباً ما يختزل في مسألة العدد أو الكوتا، بينما تكمن المشكلة الأعمق في ضعف بناء القيادات النسوية داخل الأحزاب. وتشير إلى أن عدد النساء اللواتي يصلن إلى مواقع صنع القرار الحزبي لا يزال محدوداً، ما يقلل من قدرتهن على التأثير داخل البرلمان.
وتضيف عزيز أن كثيراً من البرلمانيات يمتلكن القدرة والخبرة، لكنهن يعملن ضمن بيئة سياسية تقيد حركتهن، حيث تُفرض أولويات الكتل السياسية، ما يحد من إمكانية تبني أجندات مستقلة تعكس احتياجات النساء أو المجتمع.
كما توضح أن غياب التأهيل السياسي المستمر، خصوصاً بعد الوصول إلى البرلمان، يمثل تحدياً إضافياً، في ظل عدم وجود برامج مؤسسية كافية لتطوير الأداء التشريعي والرقابي، ما يضعف فاعلية البرلمانيات مقارنة بحجم التحديات.
وتلفت إلى أن النساء داخل البرلمان لا يعملن ككتلة ضغط موحدة، ما يفقدهن قوة التأثير، إذ تتحرك كل نائبة غالباً ضمن إطار حزبها، بدلاً من تشكيل جبهة عابرة للكتل للدفاع عن قضايا النساء.
وتخلص عزيز إلى أن تعزيز دور النساء لا يرتبط فقط بإصلاح القوانين الانتخابية، بل يتطلب مراجعة شاملة للبنية السياسية، تبدأ من الأحزاب، مروراً بثقافة العمل البرلماني، وصولاً إلى دعم المجتمع لدور المرأة كصانعة قرار، وليس مجرد تمثيل شكلي.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron