لندن ـ «القدس العربي»: تم الكشف عن أكبر وأدق خريطة ثلاثية الأبعاد للكون على الإطلاق، لتُختتم بذلك مسيرة علمية استمرت خمس سنوات، وتنتهي إلى اكتشافات علمية مذهلة.
ورصدت 5000 عدسة ليفية بصرية لجهاز مطياف الطاقة المظلمة «DESI» بقعة من السماء قرب كوكب الدب الأصغر، حيث كانت هذه الرصدات بمثابة اللمسات الأخيرة لمسح ثلاثي الأبعاد مذهل للكون، عمل العلماء على تجميعه تدريجياً منذ عام 2021.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، إن مسح «DESI» رصد أكثر من 47 مليون مجرة و20 مليون نجم إضافي.
ويجمع هذا المسح بيانات رصد لأكثر من ستة أضعاف عدد المجرات والكوازارات، وهي إشارات ساطعة من الثقوب السوداء، مقارنةً بجميع القياسات السابقة مجتمعة.
ويبلغ عمر الضوء المنبعث من أبعد المجرات أكثر من 11 مليار سنة، أي أنه يعود تقريبًا إلى نشأة الكون.
ويقول الدكتور سيشادري ناداثور، الباحث في جامعة بورتسموث والرئيس المشارك لفريق عمل تجمّع المجرات والكوازارات في مشروع ديسي: «لا يُمكن المبالغة في أهمية خريطة المجرات التي سيُقدّمها مشروع DESI لعلم الكونيات».
وأضاف: «لم نُحرز سوى تقدماً طفيفاً حتى الآن، وأنا متشوق لمعرفة المزيد».
وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، رصدت كل عين من عيون (DESI) البالغ عددها 5000 عين نقطة ضوء مختلفة في السماء كل ليلة.
وقامت أذرع آلية بمحاذاة كل عدسة من عدسات الألياف البصرية بدقة تصل إلى 10 ميكرونات، أي أقل من سُمك شعرة، لتُركّز على نقطة جديدة كل 20 دقيقة.
وتم قياس الضوء الذي جمعوه وتحليله إلى ألوانه المكونة له بواسطة عشرة أجهزة مطيافية، وذلك للكشف عن موقع كل جرم سماوي وسرعته وتركيبه الكيميائي. والنتيجة هي خريطة ثلاثية الأبعاد للكون المحيط بالأرض تتميز بتفاصيل ودقة ونطاق مذهلين.
والمناطق الوحيدة التي لم يشملها المسح هي تلك المناطق من السماء التي تحجب فيها الحافة السميكة لمجرة درب التبانة ضوء النجوم البعيدة، والتي تظهر على شكل أسافين سوداء على الخريطة.
وتم إنشاء مشروع «DESI» التعاوني، الذي ضم أكثر من 900 عالم من 70 مؤسسة حول العالم، لكشف أسرار الطاقة المظلمة. وهذه هي القوة الخفية التي تُشكّل نحو 70 في المئة من الكون، وهي المسؤولة عن تسارع توسعه.
وأظهرت بيانات السنوات الثلاث الأولى من المسح أن الطاقة المظلمة، التي كانت تُعتبر ثابتة، قد تكون في الواقع متغيرة.
وبما أن نشأة الكون وفنائه يعتمدان على التوازن بين المادة والطاقة المظلمة، بحسب ما يعتقد العلماء، فإن هذا الاكتشاف الثوري كان من شأنه أن يُغيّر كل ما كان يعتقده العلماء عن الكون.
والآن، ومع توفر بيانات أكثر من أي وقت مضى، يأمل العلماء أن تُظهر الخريطة الكاملة ما إذا كان التطور الظاهري للطاقة المظلمة أكبر أم أصغر مما كانوا يعتقدون.
وسيبدأ الفريق البحثي فوراً بمعالجة مجموعة البيانات المكتملة، ومن المتوقع ظهور النتائج الأولى للطاقة المظلمة من مسح «DESI» الكامل الذي استمر خمس سنوات في عام 2027. ومن المثير للدهشة أن «DESI» أنهى عمليات الرصد قبل الموعد المحدد، وجمع بيانات أكثر بكثير مما كان يتوقعه العلماء.
وكانت الخطة الأصلية هي رصد 34 مليون مجرة وكوازار. ومع ذلك، أثبت المسح كفاءته العالية، ما أتاح لعلماء الفلك الوقت الكافي لإعادة مسح المناطق نفسها عدة مرات، كاشفاً عن تفاصيل إضافية.
ويقول الدكتور مايكل ليفي، مدير مشروع «DESI» وعالم في مختبر بيركلي: «لقد حقق مسح DESI الذي استمر خمس سنوات نجاحاً باهراً. تفوق أداء الجهاز على التوقعات. وسنحتفل بإتمام المسح الأصلي، ثم نبدأ العمل على تحليل البيانات، لأننا جميعاً متشوقون لاكتشاف المفاجآت الجديدة التي تنتظرنا».
وابتداءً من عام 2028، يخطط العلماء لتوسيع مساحة المسح بنحو 20 في المئة لتغطية 17 ألف درجة مربعة من السماء.
وللمقارنة، يغطي القمر 0.2 درجة مربعة فقط، بينما تمتد السماء بأكملها على مساحة تزيد عن 41 ألف درجة مربعة.
وسيحتاج مشروع «DESI» إلى الاقتراب أكثر من مستوى مجرة درب التبانة المزدحم، والتوجه جنوباً، حيث يحجب الغلاف الجوي للأرض جزءاً أكبر من مساره. وسيجعل هذا جمع البيانات الجديدة أكثر صعوبة، لكن العلماء القائمين على المشروع متفائلون بأن جهازهم قادر على إنجاز المهمة.
وسيستخدم العلماء جهاز «DESI» لمسح المناطق التي سبق رسم خرائطها بحثًا عن فئة جديدة من المجرات تُعرف باسم «المجرات الحمراء المتوهجة».
وسيدرس الباحثون أيضاً المجرات القزمة القريبة والتيارات النجمية، وهي عبارة عن حزم من النجوم انتزعتها جاذبية مجرة درب التبانة من مجرات أصغر، على أمل معرفة المزيد عن الطاقة المظلمة.
وتقول ستيفاني جونو، عالمة الفلك المشاركة وممثلة مختبر «NSF NOIRLab» في المشروع: «في نهاية المطاف، نقوم بهذا العمل من أجل البشرية جمعاء، لفهم كوننا ومصيره بشكل أفضل».
وأضافت: «بعد العثور على مؤشرات تدل على أن الطاقة المظلمة قد تنحرف عن قيمة ثابتة، مما قد يغير هذا المصير، أشعر الآن بترقب شديد ونحن نحلل الخريطة الجديدة لنرى ما إذا كانت تلك المؤشرات ستُؤكد».
ما هي الطاقة المظلمة؟
الطاقة المظلمة مصطلح يستخدمه الفيزيائيون لوصف شيء غامض يتسبب في حدوث ظواهر غير عادية في الكون.
وفي عام 1998 أظهر رصد تلسكوب هابل الفضائي للمستعرات العظمى البعيدة جداً أن الكون منذ زمن بعيد كان يتوسع في الواقع بوتيرة أبطأ مما هو عليه اليوم. وهذا كان يعني بالنسبة للعلماء أن توسع الكون لم يكن يتباطأ بسبب الجاذبية، كما كان يُعتقد، بل كان يتسارع، ولم يتوقع أحد هذا، ولم يعرف أحد كيف يفسره، لكن كان هناك شيء ما يسببه. وقالت الدكتورة كاثي رومر، العالمة في مشروع مسح الطاقة المظلمة: «الكون لا يتوسع فحسب، بل يتوسع بوتيرة أسرع فأسرع مع مرور الوقت».
وأضافت: «ما نتوقعه هو أن التوسع سيصبح أبطأ فأبطأ مع مرور الوقت، لأنه قد مر ما يقرب من 14 مليار سنة منذ الانفجار العظيم».