وصف الرئيس دونالد ترامب الرد الإيراني على مقترحات ادارته للتوصل الى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار بأنها غبية، وغير مقبولة، ولم تعجبه مطلقا، هذا الوصف يعني، للوهلة الأولى، بأن المفاوضات الامريكية الإيرانية بوساطة باكستانية قد انهارت، وعودة الخيار العسكري بات شبه مؤكد، والمسألة مسألة وقت وتوقيت ليس أكثر ولا أقل.
صدمة الرئيس الأمريكي من الرد الإيراني الذي تأخر أكثر من أربعة أيام تعود الى كون الرد لم يقدم تنازلا إيرانيا واحدا في الميدان الرئيسي المحوري الأهم، أي البرنامج النووي الإيراني، وانعكست هذه الصدمة، وخيبة الأمل المترتبة عليها، في حالة ارتباكه، وتغير لهجته التهديدية، الى ثرثرة غير مفهومة، لان ترامب راهن على الحل الدبلوماسي تجنبا لخيار الحرب الباهظة التكاليف، واعتقد مخطئا ان تهديداته “الطفولية” بإزالة ايران من الوجود، او تدمير كل محطات الكهرباء والطاقة منها، وفتح أبواب جهنم عليها، كلها ستؤدي الى ارهابها واجبار قيادتها على الركوع لمطالبه، وخاصة تلك المتعلقة بوقف كل اعمال التخصيب، وتفكيك جميع المنشآت الإيرانية التي أكد انه دمرها في حرب حزيران (يونيو) العام الماضي، وتسليم 460 كيلو غراما من اليورانيوم العالي التخصيب (60 بالمئة) الى الولايات المتحدة، ولكن كل هذه التهديدات فشلت.
***
رياح الحرب باتت تخيم على أجواء المنطقة، الا اذا حدثت معجزة، ونحن لسنا في زمن المعجزات، وهناك عدد من المؤشرات التي تؤكد هذا الخيار نوجزها في النقاط التالية:
أولا: تأكيدات السيد إبراهيم رضائي المتحدث باسم الامن القومي والشؤون الخارجية في مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) اليوم بأن ايران قد تلجأ الى استصدار قرار برلماني بتخصيب اليورانيوم بنسبة تفوق الـ 90 بالمئة اللازمة لانتاج قنابل نووية اذا تعرضت لاي هجوم جديد، وسيتم مناقشة هذا الامر في البرلمان وتوفير الغطاء الشعبي.
ثانيا: اعتراف الجيش الإسرائيلي بوصول مسيرة الى ميناء ايلات المطل على خليج العقبة، وللمرة الاولى منذ وقف القتال في 8 نيسان (ابريل) الماضي، مما يعني ان حركة “انصار الله” الحوثية الحاكمة في صنعاء ومعظم شمال اليمن، قررت النزول الى الميدان، وتأكيد وحدة الساحات، وتعدد الجبهات ضد “إسرائيل” أولا، والسفن وحاملات الطائرات الامريكية في البحر الأحمر ثانيا، تضامنا مع ايران الدولة الحليفة.
ثالثا: تصريح ترامب الذي أدلى به لمحطة تلفزيونية امريكية وقال فيه “ان الهدنة مع ايران ترقد حاليا في غرفة الإنعاش بعد وصول الرد الإيراني “الغبي” وغير المقبول، ووصول غواصة نووية الى البحر المتوسط عبر مضيق جبل طارق، ربما في طريقها الى بحر العرب.
رابعا: تصريحات الشيخ نعيم قاسم أمين عام “حزب الله” المسجلة بالصوت والصورة اليوم واعلن فيها وبلهجة غير مسبوقة في قوتها قائلا “لن نترك الميدان وسنحوله الى جحيم على إسرائيل، وسنرد على العدوان والانتهاكات لوقف اطلاق النار ولن نعود الى ما قبل 2 آذار (مارس).
خامسا: تأكيدات مايك هاكابي سفير أمريكا في دولة الاحتلال، ان الحرب على ايران لم تتوقف، وربما سيتم استئنافها قريبا، وبمجرد ان توقف الولايات المتحدة تدفق الأموال والأسلحة من طهران، سيتم قطع الاوكسجين عن “حزب الله” في لبنان، وحركة “انصار الله” الحوثية في اليمن، و”حماس” والجهاد الإسلامي في غزة.
***
الرد الإيراني “الذكي جدا” وليس الغبي حسب توصيف الرئيس ترامب، على مشروع وقف إطلاق النار الأمريكي، وانهاء الحرب على ايران، جاء رسالة قوية الى تل ابيب، وواشنطن، يقول مضمونها “نحن في قمة الاستعداد لمواجهة أي استئناف للحرب، وتخصيب اليورانيوم، واستمراره امر يتعلق بالسيادة الإيرانية، وعقيدتنا تتلخص في سبع كلمات “ثمن المقاومة أرخص كثيرا من ثمن الاستسلام”.
والرد الأهم في رأينا سيكون جحيما على التحشيدات العسكرية الامريكية في مضيق هرمز وبحر العرب، وصيدا سهلا للسفن الحربية وكتائب العناكب، والصواريخ الإيرانية، تلك الصواريخ التي دمرت معظم، ان لم يكن، كل القواعد الامريكية في المنطقة، وعلى الجانب الغربي من الخليج تحديدا مما دفع الرئيس ترامب لاستجداء بريطانيا للسماح للجيش الأمريكي باستخدام القواعد العسكرية البريطانية في قبرص كبديل للقواعد المدمرة في الخليج.
نضرب مثالا، نختم فيه هذه المقالة، لما ينطوي عليه من حقائق في حال تجدد العدوان الإسرائيلي الأمريكي على ايران، ملخصه، “في 18 آذار (مارس) الماضي هاجمت الطائرات الإسرائيلية حقل “بارس” الإيراني للغاز في مياه الخليج القطرية، فردت ايران فورا بقصف حقل غاز الشمال القطري مما أحدث ضررا كبيرا الى جانب وقف الإنتاج، وسيحتاج اصلاح هذه الاضرار أعواما عديدة.. والقادم أعظم.