لندن ـ «القدس العربي»: احتضنت تركيا قمة حلف شمال الأطلسي بمشاركة رؤساء الدول والحكومات الأعضاء، وتميزت بالتوصل إلى اتفاق حول رفع الميزانيات العسكرية واستمرار اعتبار روسيا مصدر الخطر الحقيقي، وذلك مقابل ليونة واضحة مع كل من الصين وإيران. ومن أبرز ملاحظات هذه القمة أيضا عدم توجيه الدعوة إلى أي دولة عربية، رغم التطورات الجارية في منطقة الخليج العربي على خلفية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.
وهذه هي القمة السادسة والثلاثون في مسيرة هذه المنظمة العسكرية التي تأسست لمواجهة الخطر السوفييتي عقب الحرب العالمية الثانية. واحتضنت أنقرة القمة يومي 7 و8 تموز/يوليو الجاري، مؤكدة أن الحلف يمر بمرحلة تحول على مستوى التصورات والبنيات العسكرية في ظل بروز قوى جديدة مثل الصين. وقد ترقب كثيرون أن تشهد القمة سجالات حادة بسبب مواقف الرئيس ترامب تجاه الأوروبيين، غير أنها انتهت، رغم التشنجات، إلى قرارات أبرزت استمرار التماسك العسكري للغرب، وتجاوز معظم نقاط الخلاف، إلى مستوى أن ترامب صرح بأن القمة سجلت قدرا كبيرا من الوحدة.
وكتب الموقع الأمريكي المتخصص في الشؤون العسكرية «إن قمة أنقرة انعقدت في لحظة يعيد فيها الحلف تقييم هويته الاستراتيجية بسبب تغير الأولويات الأمريكية في أوروبا، واستمرار التهديد الروسي، وتزايد الحاجة إلى قدرات دفاعية أوروبية مستقلة نسبيا». ورغم ذلك، لم ترق قمة الحلف الأطلسي للجميع، فقد لخصت افتتاحية جريدة «الباييس» يوم الأربعاء من الأسبوع الجاري رؤية المتحفظين على التوجه الذي يسير إليه الحلف في ظل رؤية ترامب واليمين القومي الأمريكي الذي يعبر عنه، وكتبت «هذه القمة تؤكد ضرورة تعزيز دور أوروبا ومسؤوليتها وقيادتها في الحلف الأطلسي، والحاجة الملحة إلى تطوير قوات مسلحة وقدرات استخباراتية وتكنولوجية وردعية مستقلة، حتى لا نكون عرضة لأهواء ترامب ولا لاستراتيجيته المدمرة للثقة عبر الأطلسي».
وحول النتائج الملموسة والاتفاقيات التي تخص النزاعات القائمة، كان أبرز ما تم الاتفاق عليه، والذي ستكون له انعكاسات مهمة على سباق التسلح العالمي، التزام الدول الأعضاء بتخصيص 5 في المئة من الناتج القومي الإجمالي للإنفاق العسكري بحلول عام 2035، وذلك بشكل تدريجي انطلاقا من المستوى الحالي البالغ 2 في المئة. وسيتم توزيع هذه النسبة بواقع 3.5 في المئة للإنفاق على التسلح المباشر والتدريب العسكري، و1.5 في المئة للإنفاق المرتبط بالأمن، بما يشمل البنية التحتية، والأمن السيبراني، وتعزيز المرونة المدنية، والصناعة الدفاعية. وهذا ما جعل الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روته يبرز أن الحلف انتقل من التعهدات إلى التنفيذ.
ومن بين أبرز الاتفاقيات التي توصل إليها الحلف، تبرز المساعدة الجديدة لأوكرانيا، والتي تبلغ قيمتها 70 مليار يورو على شكل معدات عسكرية ومساعدات وتدريب خلال العام الجاري، مع الإبقاء على مستويات مماثلة في عام 2027. ويشمل هذا المبلغ 30 مليار يورو خصصها الاتحاد الأوروبي لكييف في شكل قرض لتمويل نفقات الدفاع، فيما سيتم توفير الأربعين مليار يورو المتبقية عبر دعم ثنائي إضافي لأوكرانيا، رغم عدم مشاركة الولايات المتحدة في هذا التمويل.
وأكد الحلف الأهمية الاستراتيجية لأوكرانيا، معتبرا أنها «تساهم في الأمن عبر الأطلسي»، وأن «الحلفاء يظلون متحدين في دعمهم الثابت لأوكرانيا وفي الدفاع عن حريتها وسيادتها وسلامة أراضيها». ويستند هذا الدعم إلى آليات تمويل ثنائية ومتعددة الأطراف، تتولاها أساساً دول الاتحاد الأوروبي وكندا، على أمل أن يكون هذا الدعم الجديد «منصفاً ومتوقعاً ومستداماً على المدى الطويل».
وارتباطاً بالحرب التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا، يبرز البيان الختامي الخطر الذي تمثله روسيا، واصفا إياها بالتهديد الرئيسي لأمن واستقرار المنطقة الأوروبية الأطلسية. ويؤكد البيان في نقطته الثانية أن موسكو لا تزال تمثل تحديا استراتيجيا على المدى الطويل، وهو ما يبرر، بحسب الحلف، الاستمرار في سياسة الردع الشاملة تجاه هذا البلد لاسيما بعد الحرب ضد أوكرانيا وتهديد الكرملين لجمهوريات البلطيق. ولهذا جرى التنصيص على المادة الخامسة للحلف بالدفاع عن أي عضو تعرض لاعتداء خارجي.
يبقى المثير هو التركيز على روسيا كمصدر للخطر، في حين لم يشر البيان الختامي للقمة إلى الصين رغم أن جميع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تعتبرها المصدر الحقيقي للتهديد الذي يتعرض له الغرب بسبب قوتها الاقتصادية الضخمة وبسبب تطورها العسكري الملفت.
وقامت الولايات المتحدة بتغيير وجهتها العسكرية من الواجهة الأطلسية إلى منطقة المحيط الهادي-الهندي بسبب الصين. ويحدث هذا في وقت كانت قمة الحلف الأطلسي في واشنطن سنة 2024 قد اتهمت الصين بأنها «مساعد أساسي» لروسيا في الحرب ضد أوكرانيا. في الوقت ذاته، كان إعلان واشنطن شديد الوضوح، فقد أكد أن طموحات الصين وسياساتها القسرية تتحدى مصالح الحلف وأمنه وقيمه، واتهم بكين باستخدام أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية لتوسيع نفوذها العالمي. ويمكن تفسير غياب الصين بأنه لا يوجد توافق كبير بشأن ما تشكله من خطر عكس روسيا، لاسيما وأن العلاقات الاقتصادية والسياسية مع بكين تختلف من دولة عضو إلى أخرى.
وعلى الرغم من تأثير الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، جاء البيان الختامي لقمة أنقرة دبلوماسياً في تعاطيه مع طهران. فقد ورد في الجملة الثانية من البند الخامس حرفياً: «يؤكد الحلفاء مجدداً أنه لا يجب أن تمتلك إيران السلاح النووي أبداً، ويدعون هذا البلد إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز احتراماً تاماً». ولم يُقدم حلف شمال الأطلسي على إدانة إيران أو تحميلها مسؤولية الحرب الحالية، كما لم يحملها مسؤولية التهديد بإغلاق مضيق هرمز. ولا يمكن فهم هذا الموقف إلا في إطار سعي الحلف إلى الإبقاء على قنوات التفاهم مع إيران وإنجاح مفاوضات السلام الجارية. وكان الأوروبيون قد رفضوا الانخراط في الحرب الأمريكية ضد إيران، رغم أن الرئيس دونالد ترامب طالبهم بذلك، كما رفضوا المساهمة في فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
ويبقى المثير في البيان هو غياب تضامن للحلف مع دول الخليج العربي والأردن التي تعرضت لقصف إيراني استهدف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. وتتضاعف المفاجأة بحكم أن بعض الدول تعتبر شريكة خارجية للحلف الأطلسي مثل الأردن والإمارات العربية والبحرين. كما أن دولا كبيرة في الحلف مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة تجمعها علاقات عسكرية قوية مع دول الخليج، وكان الأنسب هو استحضار الهواجس الأمنية لدول الخليج في القمة، الأمر الذي لم يحصل.