لم يعد الحديث عن المشروع الصهيوني المعروف من النيل إلى الفرات، مجرد خطاب أيديولوجي أو مبالغة سياسية تستدعى عند الأزمات، بل بات توصيفا واقعيا لمسار إقليمي يتشكل أمام أعيننا، لا بفعل التفوق الإسرائيلي وحده، بل نتيجة ضعف عربي متراكم، وتفكك ممنهج لمفهوم الأمن القومي العربي، وغياب أي مشروع جامع قادر على كبح هذا الإنحدار الخطير، فإسرائيل، التي طالما قدمت بوصفها الخطر المركزي في الوعي العربي، لم تعد اليوم مضطرة لخوض حروب شاملة أو تحمل كلف عسكرية وإقتصادية باهظة. فالإنهيارات العربية المتتالية، والصراعات الداخلية، وحالات الإستنزاف السياسي والعسكري، تحقق لها مكاسب إستراتيجية تفوق ما كانت تحققه الجيوش في ساحات القتال. فهنالك دول محورية تتآكل من الداخل، وجيوش تستنزف أو تكبل، وصراعات أهلية تحل محل الصراع مع العدو الخارجي، في لحظة يتقدم فيها التفكك على حساب الدولة، والإنقسام على حساب الهوية الجامعة.
فنرى السودان بما يمثله من عمق عربي وإفريقي وإستراتيجي، مثال صارخ على ذلك ، فلم يتهاوى بفعل تدخلات خارجية فحسب، بل نتيجة تراكمات داخلية، وغياب رؤية وطنية جامعة، وتحويل السلاح من أداة لحماية الدولة إلى وسيلة لتفكيكها. وإنهيار السودان لا قدر الله، لا يتوقف عند حدوده الجغرافية، بل ينعكس مباشرة على توازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ويفتح المجال واسعا أمام قوى إقليمية ودولية لملء الفراغ، في مشهد يتكرر بصيغ مختلفة في أكثر من ساحة عربية.
أما الصومال، فيبقى النموذج الأكثر وضوحا لدولة يراد لها ألا تقوم ، فالفوضى هناك لم تعد حالة طارئة، بل تحولت إلى وضع مستدام يخدم حسابات كبرى تتصل بالممرات البحرية الحيوية وأمن التجارة الدولية. وإستقرار الصومال لم يعد خيارا مرحبا به لدى بعض القوى، لأن قيام دولة قوية في هذه البقعة الحساسة يعيد رسم معادلات النفوذ ويقلب موازين السيطرة.
وفي خضم هذا المشهد العربي المأزوم، تظهر إسرائيل بوصفها المستفيد الصامت. لا تتصدر العناوين، ولا ترفع شعارات التوسع، لكنها تعمل بهدوء على ترسيخ حضورها الأمني والإستخباراتي، وتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية، وتقديم نفسها للعالم بإعتبارها واحة الإستقرار الوحيدة في محيط مضطرب. والأخطر من ذلك أن الصراع يجري تفريغه من مضمونه الحقيقي، ويعاد تعريف العدو وفقا لما تراه وتقرره السياسة الأمريكيه، بينما تنقل بوصلة الصدام إلى الداخل العربي، حيث تستنزف المجتمعات والدول من دون حاجة إلى مواجهة مباشرة.
والمشكلة في جوهرها، ليست في قوة الخصم بقدر ما هي في عجز الذات. فالعجز العربي عن بناء دولة قوية قادرة على الصمود بات واضحا للعيان فلا إستراتيجية موحدة، ولا قراءة مشتركة للمخاطر، ولا إرادة سياسية حقيقية لإعادة الإعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي ، وفي المقابل، تتفاقم الأزمات الإقتصادية، ويتسع الشرخ الإجتماعي، وتتآكل هيبة الدولة، حتى تصبح الفوضى قاعدة، والإستقرار استثناءا .
من هنا، فإن مشروع من النيل إلى الفرات لا يتحقق بوصفه خريطة حدود مرسومة على الورق، بل كواقع نفوذ وهيمنة، تدار فيه المنطقة من خارجها، وتستنزف فيه الدول العربية واحدة تلو الأخرى، من دون حاجة إلى حرب شاملة أو إجتياح عسكري ، وما نشهده اليوم ليس لحظة ضعف عابرة، بل مرحلة إعادة تشكيل عميقة للنظام الإقليمي، يكون العرب فيها الحلقة الأضعف.
وعليه، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ما تخطط له إسرائيل، بل في ما يفشل العرب في منعه ، وإذا إستمر هذا المسار، فلن يكون السؤال إلى أين وصلت إسرائيل؟ بل السؤال الأكثر إيلاما إلى أي مدى تراجع العرب عن دورهم ومكانتهم في التاريخ والجغرافيا معا؟
حفظ الله أمتنا العربية والإسلامية
عميد اردني متقاعد