باريس- “القدس العربي”:
تحت عنوان: “كيف دفن ترامب وبوتين وشي جينبينغ النظام العالمي القديم؟”. قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن العملية العسكرية التي استهدفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وجّهت الضربة القاضية لما تبقى من القانون الدولي، وإن كانت قواعد هذا القانون قد تعرّضت للتآكل منذ سنوات، ولا سيما بفعل الاعتداءات الروسية المتكررة على دول الجوار.
وأضافت الصحيفة أن إطاحة رأس النظام في فنزويلا عبر ضربة عسكرية خاطفة، أعقبها إعلان نية واشنطن السيطرة على البلاد، تثير سؤالًا جوهريًا: هل وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضربة النهائية للنظام القانوني الدولي؟ فرغم أن أحدًا -باستثناء شخصيات مثل جان لوك ميلانشون أو فلاديمير بوتين أو شي جينبينغ- لن يذرف دموعًا على نيكولاس مادورو، الديكتاتور المتهم بجرائم ضد الإنسانية والذي سرق الانتخابات الرئاسية عام 2024 وقاد بلاده إلى الانهيار، فإن الطريقة التي تم بها إسقاطه تفتح بابًا خطيرًا، وفق “لوفيغارو”.
ولفتت “لوفيغارو” إلى أن بعض القادة، مثل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لمحوا إلى أن “تحييد” مادورو قد يشكل سابقة أو نموذجًا يمكن الاحتذاء به ضد فلاديمير بوتين نفسه.
واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن خسارة الكرملين لحليفه الأبرز في أمريكا اللاتينية، بعد فقدانه بشار الأسد في سوريا، لا يمكن وصفها بالتطور السيئ. تمامًا كما أن احتمال عودة المعارضة الفنزويلية إلى الحكم قد يفتح باب الأمل أمام شعب أنهكته الديكتاتورية.
غير أن “لوفيغارو” شددت على أن العملية الأمريكية، رغم نجاحها العسكري، تمت خارج إطار الشرعية الدولية، إذ انتهكت ميثاق الأمم المتحدة. وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، حتى عند غزوه العراق عام 2003، سعى -ولو شكليًا- إلى الحصول على تفويض من مجلس الأمن الدولي، بينما تجاوز الرئيس الحالي دونالد ترامب كليًا مجلس الأمن الدولي وأيضاً الكونغرس الأمريكي.
وتابعت “لوفيغارو” القول إن السياسة الإقليمية الجديدة لواشنطن، التي وصفها ترامب نفسه بأنها امتداد لعقيدة مونرو تحت اسم “عقيدة دونرو”، تعيد إحياء منطق مناطق النفوذ الإمبراطورية وتُضفي شرعية على تغيير الأنظمة بالقوة في أمريكا اللاتينية.
واعتبرت الصحيفة أن تداعيات العملية الفنزويلية ستكون طويلة الأمد.. فمن جهة، لا يعني النجاح العسكري بالضرورة نجاحًا سياسيًا، مستشهدة بتجارب العراق وليبيا وأفغانستان، حيث أدت تغييرات الأنظمة إلى الفوضى والحروب الأهلية أكثر مما أدت إلى الديمقراطية. ومن جهة أخرى، يطرح السؤال نفسه: من التالي؟
وأوضحت الصحيفة أن دونالد ترامب، المنتشي بنجاحه، تعهّد بتكرار التجربة، مؤكدة أن الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة، الصادرة في شهر ديسمبر، تعطي أولوية مطلقة للسيطرة على نصف الكرة الغربي. وتساءلت الصحيفة: هل ستكون فنزويلا مجرد سابقة لتصفية أنظمة أخرى لا ترضي البيت الأبيض؟ وهل يأتي الدور على كوبا أو نيكاراغوا، أو حتى المكسيك وكولومبيا؟ أم على الدول التي طالب بها ترامب صراحة مثل كندا وبنما وغرينلاند؟
ورأت “لوفيغارو” أن الهدف الأمريكي لا يقتصر على كبح النفوذ الروسي والصيني، بل يمتد أيضًا إلى السيطرة على الثروات الطبيعية. وهو منطق من غير المستبعد أن يقود في نهاية المطاف إلى مواجهة جديدة مع إيران، عبر ضرب برنامجها النووي والصاروخي.
ومضت “لوفيغارو” معتبرةً أن روسيا والصين فهمتا الرسالة جيدًا: الرئيس الأمريكي مستعد لاستخدام القوة العسكرية متى شاء. كما أدرك حلفاء موسكو وبكين من الأنظمة الاستبدادية أن الاحتماء بهاتين القوتين لم يعد ضمانة للبقاء. لكن في المقابل، فإن سابقة فنزويلا تفتح الباب واسعًا أمام بكين وموسكو لتقليد النموذج الأمريكي نفسه.
وقالت الصحيفة الفرنسية إن العالم يشهد عودة صريحة للإمبراطوريات. فالولايات المتحدة تريد إعادة أمريكا اللاتينية إلى موقع “الحديقة الخلفية”، وبوتين يسعى بالقوة لإعادة تشكيل المجال السوفياتي السابق، بينما يواصل شي جينبينغ التحضير لفرض “إعادة التوحيد” مع تايوان.
ونقلت الصحيفة تحذير السيناتور الديمقراطي مارك وورنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، الذي قال إن إقرار الولايات المتحدة بحقها في استخدام القوة لغزو دولة واعتقال قادتها يفتح الباب أمام الصين لفعل الشيء نفسه في تايوان، ويقوض القواعد التي تمنع الانزلاق نحو الفوضى العالمية.
واعتبرت “لوفيغارو” أن الواقعية السياسية تفرض الاعتراف بأن القانون الدولي لم يُدمَّر اليوم فقط، بل سبق أن قوضته الأنظمة الاستبدادية، وفي مقدمتها روسيا منذ عام 2008، ثم الصين في هونغ كونغ، وسط عجز أو تواطؤ أوروبي غير مباشر.
وما تزال أوروبا تتشبث بخطاب القانون الدولي دون امتلاك القوة اللازمة لحمايته، في عالم عادت فيه القوة لتفرض نفسها. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أوكراني سابق قوله: “الأخلاق والقانون من دون قوة لا يصمدان. رفض التدخل باسم المبادئ يعني تثبيت الأمر الواقع الاستبدادي. فما الأفضل: خرق القواعد لتحقيق العدالة أم احترام القوانين وإدامة الظلم؟”.. السؤال يظل مفتوحًا ومقلقًا، تقول الصحيفة.