بغداد/المسلة: وما إن سقط نظام صدام حسين في ربيع 2003، حتى دخلت البلاد في دورة جديدة من الإنفاق العام، كانت الرواتب في صلبها، لا كتحفيز تنموي بل كتعويض سياسي.
وما تزال الأرقام شاهدة على المفارقة فقد كان الموظف العراقي يتقاضى ما يعادل 5 إلى 10 دولارات فقط شهرياً، في ظل نظام محاصر دولياً ويكاد ينهار اقتصادياً، لكن السلطات التي ورثت الدولة عمدت إلى رفع الرواتب بشكل دراماتيكي، وصلت في بعض الحالات إلى عشرين ألف دولار شهرياً، خاصة لكبار المسؤولين ومن يدور في فلكهم.
وما كان يُفترض أن يكون معالجة لظلم الأجور التاريخي، تحوّل إلى ورطة مستدامة.. فقد صار العراق ينفق أكثر من 70% من ميزانيته على الرواتب والمخصصات والتقاعد، بحسب تقرير صادر عن وزارة المالية، فيما تتراجع نسبة الإنفاق على البنية التحتية والتعليم والصحة.
وما تزال التحليلات تتوالى حول هذه الظاهرة، بعضهم يصفها بالمؤامرة، وآخرون يراها نتاج فوضى اقتصادية بلا ناظم.
غيث الخفاجي، ناشط في الشأن العراقي، كتب في تدوينة له: حين تتحول الرواتب من أداة معيشة إلى وسيلة لشراء الولاءات، ينهار الاقتصاد حتماً ولو بعد حين.
وما يدعم هذا التحليل هو أن رفع الرواتب لم يتزامن مع إصلاح إداري أو إنتاجي، بل بقيت المؤسسات تعاني من البطالة المقنعة والترهل الوظيفي، فيما قفز عدد الموظفين من نحو 850 ألفاً في 2003 إلى أكثر من 4 ملايين في السنوات الاخيرة، بحسب بيانات ديوان الرقابة المالية.
وما يجعل الوضع أكثر خطورة أن هذا النمو في الإنفاق كان قائماً على أساس هش: الريع النفطي. فحين تذبذب سعر البرميل، دخلت الدولة في أزمة سيولة، وأُجبرت على الاستدانة لتأمين الرواتب، كما حصل في 2020.
وما يثير الأسى أن نماذج العالم القريبة كان يمكن أن تُستفاد. ففي جورجيا بعد الثورة الوردية عام 2003، قامت الحكومة بخفض عدد الموظفين بنسبة 40%، لكنها رفعت رواتب الباقين بشكل عادل، مما أعاد للوظيفة العامة جديتها وخفف من الفساد. وفي رواندا، بعد الحرب الأهلية، رُبطت الرواتب بالإنتاج لا بالدرجة الوظيفية فقط، مما سرّع الانتقال نحو اقتصاد خدمات فعّال.
وما كان يمكن للعراق أن يسلك طريقاً وسطاً؛ برفع رواتب الموظف البسيط إلى ما يغنيه عن الحاجة، دون أن يتحول الإنفاق إلى عبء وجودي على الدولة. فالمعادلة المختلة لا تكمن في الأجر المرتفع، بل في غياب التخطيط وربط الأجر بالإنتاجية.
وما يدعو للتأمل أن شعار “الدولة الرعوية” الذي رفعته الحكومات بعد 2003 لم يكن تعبيراً عن كرم الدولة، بل عن عجزها عن بناء اقتصاد متنوع، فاختارت الحل الأسهل: شراء السلم الاجتماعي بالرواتب، ولو على حساب المستقبل.