الوثيقة | مشاهدة الموضوع - بين نكبتي 1948 و2026: في الأولى طمروا المقابر وفي الثانية تركوا الجماجم تتدحرج على الأرض
تغيير حجم الخط     

بين نكبتي 1948 و2026: في الأولى طمروا المقابر وفي الثانية تركوا الجماجم تتدحرج على الأرض

مشاركة » الخميس يناير 29, 2026 10:48 pm

2.jpg
 
لدينا أبطال جدد لم نشاهد مثلهم من قبل: المنقبون عن الجثث – مئات الجنود والحاخامات وأطباء التشريح وأطباء الأسنان الذين تم تجنيدهم للعثور على جثة المخطوف ران غوئيلي. “هذا انفعال هستيري”، وصفت حالته طبيبة الأسنان التي تعرفت على أسنانه. وبغض النظر عن الفرح جراء العثور على جثته، فلا يمكن تجاهل الهوس المرضي بالجثث الذي انتشر في إسرائيل.

ربما يمكن فهم المنفعلين إلى درجة “الجنون” من العثور على جثة، لكن لا يمكن تجاهل الثمن الباهظ وازدواجية الأخلاق التي رافقت عملية إخراج مئات جثث الفلسطينيين من القبور وتدنيسها بعنف واعتبار العملية عملاً بطولياً ووطنياً، وتسميتها بـ “القلب الشجاع”.

ليس هذا فقط، بل الأمر يتجاوز ذلك؛ فإذا كانت إسرائيل تعتبر دولة فصل عنصري بالنسبة لرعاياها الأحياء، فقد كشفت مقبرة البطش بأنها دولة فصل عنصري للأموات أيضاً، نظام فصل عنصري للهياكل العظمية. دولة اختطفت واحتجزت مئات الجثث، تم دفن بعضها وتجميد آخرين منذ أشهر وسنين، مستعدة لدفع أي ثمن لإعادة جثة واحدة. من أجل إعادة رفات الموتى، مسموح لها فعل أي شيء.

الإسرائيليون اليهود وحدهم الذين لهم عائلات تحلم بإعادتهم ليدفنوا في إسرائيل، أما مئات العائلات الفلسطينية التي تحلم بدفن أعزائها في فلسطين، فلا تعتبر شيئاً. حتى موتاها لا حقوق لهم. وسماسرة الجثث يحتفظون بها للمساومة، مساومة لانهائية. كل الموتى الإسرائيليين عادوا إلى بلادهم، أما إسرائيل فتواصل اختطاف الجثث والاحتفاظ بها إلى حين الحاجة. الثلاجات والمقابر مكتظة بالجثث. كل من دفن هناك له آباء وأولاد يتوقون لدفنه بشكل لائق، لكن لإسرائيل رأياً آخر: نحن الوحيدون الذين لدينا أحاسيس، فنحن بشر!

أول أمس، في الوقت الذي كانت تحتفل فيه إسرائيل بالعثور على جثة آخر المخطوفين، وتحولت مقبرة البطش إلى سهل من الرمال، خرج أربعة شباب من غزة إلى ما كان يعرف كمقبرة للعثور على جثث أحبائهم، كل منهم كان لديه ألم مختلف، أحدهم كان يبحث عن قبر والده، وآخر يبحث عن قبر والدته، والثالث عن قبر شقيقه والرابع عن قبر شقيقته.

الجيش الإسرائيلي قتل هؤلاء الأربعة: محمود لولو، عبد القادر أبو خضر، عبد الكريم ربان والفتى يوسف الريفي. وحتى كتابة هذه السطور، لم يرد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على سؤال “هآرتس” حول سبب إعدامهم رمياً بالرصاص. حتى إزهاق أرواح الأبرياء يبرر العثور على جثة المخطوف الإسرائيلي الأخير.

لم يبق أي شيء من المقبرة التي كان مدفوناً فيها مئات الأشخاص. المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قال أمس للصحيفة: “كل الجثث أعيد دفنها في نفس المنطقة، بواسطة تراب جلبه الجيش الإسرائيلي، لم تبق جثث في المنطقة”.

ونشرت قناة “الجزيرة” أمس أفلام فيديو صورها سكان شجعان ذهبوا إلى المقبرة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي؛ للبحث عن رفات أقاربهم. الشخص الذي صور الفيديو بصوت منخفض وهو يلهث ويبكي، قال: “هذه جثة، هذه جثة أخرى”. المقبرة أصبحت مثل ملعب تيدي، حسب وصف من دمر مخيم جنين للاجئين دوفي كردي.

المشهد مؤلم: مصور الفيديو أشار إلى أكياس بلاستيكية ممزقة، كان فيها أشلاء جثث، وهي تتدحرج على الأرض. المنطقة الواسعة مغطاة كلها بالرمال، لم يبق أي قبر. إذا كانت إسرائيل قد حرصت في النكبة الأولى في 1948 على الحفاظ على المقابر، فإنه في نكبة غزة لم يبق حجر فوق حجر من مقبرة البطش. كيف سيتعرفون على قبور أحبائهم؟ كيف سيجدون مكان جثثهم في الرمال؟

في الطيرة، تجلس عائلة وليد دقة، السجين في إسرائيل والذي توفي في السجن بعد 38 سنة، تنتظر جثمانه. منذ سنتين والزوجة سناء والابنة ميلاد والشقيق ينتظرون. هم ينتظرون وينتظرون.
جدعون ليفي
هآرتس 29/1/2026
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير

cron