عبد الباري عطوان
كل هذا التحشيد العسكري الأمريكي لتوجيه ضربة عسكرية قوية لإيران يأتي في إطار “الحرب النفسية” لإرهابها والضغط عليها للعودة الى مائدة المفاوضات استسلاما ورضوخا للشروط الامريكية، وأبرزها التخلي عن منظوماتها الصاروخية المتطورة، ووقف كل عمليات تخصيب اليورانيوم بشكل نهائي، ولكن هذا الابتزاز، وهذه الحرب النفسية لم ولن تعطي النتائج المطلوبة.
ad
ارسال الرئيس ترامب حاملات الطائرات مصحوبة بالبوارج تكتيك عسكري لإرهاب الأعداء عفى عليه الزمن، ولم يعد مفيدا ضد قوى اقليمية عظمى مثل ايران خطت خطوات طويلة على طريق الاكتفاء العسكري الذاتي وتطوير صناعات صاروخية ومسيّرات دفاعية وهجومية متطورة، علاوة على غواصات، الصمود 45 عاما في مواجهة العقوبات، وأكثر من ثلاث محاولات لتغيير النظام.
من المؤكد ان ايران لا تريد حربا، ولكنها سترد قطعا بكل ما تملك من إمكانيات عسكرية، وهي كثيرة، على أي عدوان امريكي إسرائيلي يستهدفها، فالسلاح الاقوى الذي يملكه الإيرانيون هو النفس الطويل والقدرة على خوض حرب شاملة، وطويلة الأمد، الامر الذي يتعارض كليا مع العقيدة الامريكية الجديدة التي يمكن اختصارها في ثلاث كلمات “سريعة.. قصيرة.. نظيفة”، والنظافة هنا تعني تجنب أي خسائر بشرية او مادية.
ad
***
بينما كان الرئيس ترامب يصعّد ضغوطه وتهديداته لإيران لحثها على القبول بالعودة الى المفاوضات، مؤكدا اكثر من مرة ان الوقت لتوجيه الضربة ينفد وساعة الصفر باتت وشيكة، يخرج علينا اللواء امير حاتمي القائد العام للجيش الإيراني بتصريح، وهو المقل جدا في التصريحات، يؤكد الحاق أكثر من الف مسيّرة جديدة بسلاح القوى الجوية، لمهاجمة اهداف برية وبحرية أمريكية، ثابتة او متحركة، بما في ذلك حاملات الطائرات والبوارج البحرية.
لكن التصريح الأهم والأخطر في رأينا أطلقه الجنرال علي شمخاني (عربي سني) المستشار المقرب للإمام السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وقال فيه “ان الرد الإيراني على أي عدوان امريكي، سواء كان موسعا او بضربة محدودة، سيكون بقصف تل ابيب الكبرى، لانه يعني بداية الحرب الشاملة”.
نقول ان هذا التصريح خطير لانه جاء بإيعاز السيد خامئني، ويمثل استراتيجية إيرانية جرى الاتفاق على تفاصيلها في إطار اجتماعات للنخبة الحاكمة ومؤسساتها الروحية والسياسية والعسكرية والتشريعية، طوال الأسابيع الماضية وعلى أعلى المستويات.
ايران لن تتصدى لهذا العدوان الإسرائيلي وحيدة، بل ستحظى بدعم حلفائها في المنطقة، بالإضافة الى الشرفاء في العالمين العربي والإسلامي، ويمكن تلخيص ذلك قي النقاط التالية:
أولا: اعلن الشيخ نعيم قاسم أمين عام “حزب الله” ان المقاومة الإسلامية لن تكون محايدة في حال أي عدوان امريكي، وستقف في خندق ايران، والولي الفقيه، ولمحّ السيد نواف الموسوي أحد أبرز قادة الحزب الى انه لا يستبعد مطلقا المشاركة بالحرب عندما أجاب عما اذا كان الحزب سيشارك مباشرة في الحرب “عندما سنصل الى هذا الجسر سنقرر”.
ثانيا: أصدرت حركة “انصار الله” اليمنية التي قصفت دولة الاحتلال ومدنها الرئيسية المحتلة مثل يافا وحيفا وتل ابيب وبير السبع وام الرشراش (ايلات) تضامنا مع المجاهدين في قطاع غزة والضفة، أصدرت بيانا اكدت فيه ان قواتها وصواريخها لن تسمح بإقتراب أي حاملات طائرات او بوارج من مياه البحرين الأحمر والعربي.
ثالثا: أعلن تنظيمان جهاديان عراقيان من أبرز اذرعة الحشد الشعبي العراقي خوض الحرب للتصدي لاي عدوان امريكي إسرائيلي، والوقوف في خندق ايران في مواجهته، والأول جاء من قبل كتائب “حزب الله” في العراق التي دعت الى الاستعداد لحرب شاملة الى جانب ايران التي وقفت طوال الأربعة عقود الماضية الى جانب المستضعفين، وانتصرت لقضايا الامة، دون تمييز مذهبي او عرقي، حسب بيانها الرسمي، اما السيد اكرم الكعبي امين عام حركة “النجباء” فقد أعلن ان “شعب العراق لن يقف متفرجا في أي حرب تشنها أمريكا على ايران”.
أمريكا ستبدأ هذه الحرب لمصلحة ونيابة عن “إسرائيل” المذعورة والمرعوبة من القدرات العسكرية الإيرانية، وصواريخ “حزب الله” وحركة “انصار الله”، والامر نفسه ينطبق على العديد من الدول العربية التي ستدفع ثمنها من أمنها واستقرارها وبناها التحتية، ونحن نتحدث هنا عن تلك الدول الي تتواجد فيها قواعد أمريكية التي ستكون هدفا مؤكدا للرد الإيراني، مثل البحرين وقطر والامارات والأردن والكويت، وقد احسنت المملكة العربية السعودية صنعا عندما أعلنت، وبكل وضوح، انها لن تسمح للولايات المتحدة باستخدام اجوائها او أراضيها في أي عدوان على ايران، ومن المؤسف ان العديد من الدول الأخرى المذكورة آنفا، لم تتخذ موقفا مماثلا، والتزمت الصمت، ربما لانها لا تملك القرار لمنع الطائرات من الانطلاق من القواعد فيها نحو ايران.
***
ما زلنا لا نستبعد ان يتراجع الرئيس ترامب عن تهديداته في اللحظة الأخيرة، ليس لانه “جبان” فقط، وانما خوفا من النتائج، وربما يأتي هذا التراجع بطلب مباشر من “إسرائيل” التي استجدته لتأجيل الضربة قبل أسبوعين خوفا من الدمار الضخم، بشريا وماديا، من جراء الرد الإيراني الحتمي المتوقع.
ترامب يجلس الآن بجانب الهاتف انتظارا لمكالمة هاتفية سواء من ايران، او الوسطاء الجدد، وآخرهم تركيا اردوغان، تقول ان ايران قبلت بالمفاوضات، ولكن بشروطها، والخطوة الأولى التجاوب لطلبها بوقف التهديدات، وإصدار امر لحاملات الطائرات ولبوارجها بالعودة الى الأماكن التي قدمت منها.
القوات المسلحة الإيرانية ليس امامها أي خيار غير خوض هذه الحرب، ولكنها هي التي ستقرر نهايتها، لانها ليست في أضعف اوقاتها مثلما يدعي ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي، وانما لانها في رأي الكثير من المحللين في أقوى اوقاتها، خاصة بعد ان قضت على الاحتجاجات التي حرضت عليها امريكا وإسرائيل عبر جيش من عملائها، كما صمدت في حرب الـ 12 يوما، فثمن الاستسلام أكبر كثيرا جدا من ثمن الصمود والقتال دفاعا عن الكرامة والسيادة، والشجاع يستشهد مرة واحدة، اما الجبان فيموت مئة مرة.. والأيام بيننا.