أظن أن الحرب الإسرائيلية – الأمريكية خرجت عن السيناريو المرسوم مرتين، الأولى عندما أسقطت صواريخ إيران سيناريو تغيير النظام عن طريق حث الإيرانيين على الثورة ضد النظام السياسي للدولة الإسلامية وإسقاطه.
والمرة الثانية خرجت الحرب عن سيناريو سقوط النظام من تلقاء نفسه، وطلب الاستسلام تحت مطرقة الانتقال من الضربات العسكرية المُرَكّزة إلى توسيع نطاق الضربات من الحيز العسكري إلى استهداف البنية الاقتصادية والمرافق الأساسية الحيوية.
وبعد خروج الحرب عن السيناريو المعد لها مرتين، فإنها تدخل الآن في منعطف أشد خطورة، إلى سيناريو «البقاء أو الفناء»، بالانتقال إلى حافة الصدام النووي. هذا الانتقال إذا حدث، لا يبقي الحرب في إطار مواجهة إسرائيلية – أمريكية مع إيران، وإنما يجعلها حربا على البشرية جمعاء، لأن أبسط وأخف نتائج الصدام النووي، طبقا للمعطيات الراهنة، هو حدوث تسرب إشعاعات نووية من مواقع تشمل إنتاج الوقود النووي للاستخدامات المدنية، مثل مفاعل بوشهر، أو مواقع للتخصيب مثل فوردو، أو حتى في مراكز التجارب المعملية المنتشرة في أماكن مختلفة من إيران، بما فيها معامل الأبحاث الأكاديمية. ومع الانتقال إلى مرحلة ضرب أهداف نووية، فإن صمت العالم قد يكلف البشرية غاليا في الأسابيع والأشهر المقبلة، لأن الحرب بذلك تكون قد خرجت الحرب عن نطاق السيطرة تماما.
ولا تدرك إسرائيل والولايات المتحدة حتى الآن، أن فشل السيناريو الأول (إسقاط النظام) كان بمثابة المقدمة المحركة لفشل السيناريو الثاني (الاستسلام)، وأن الفشل الثاني هو بكل تأكيد المحرك الحتمي لفشل السيناريو الثالث، الذي نعتقد أنه قيد التنفيذ (تدمير إيران وعلى وجه الخصوص قدراتها النووية)، لأن هذا البلد يملك القدرات المادية والمعنوية الكافية لحماية إرادة البقاء، والصد والرد. لقد استطاعت إسرائيل والولايات المتحدة من قبل تدمير العراق وبرنامجه النووي، وتدمير البرنامج النووي السوري، وكذلك كان الحال مع المحاولة النووية الليبية. ما لا تدركه إسرائيل والولايات المتحدة أن إيران تعي، منذ وقت طويل، دروس فشل العراق وسوريا وليبيا في حماية برامجها النووية، ومع أنها تواجه إسرائيل باستراتيجية تشبه جزئيا استراتيجية الغموض النووي، التي تتبعها إسرائيل (تملك سلاحا نوويا لكنها لا تعلنه)، فإيران حتى الآن لا تملك سلاحا نوويا، وهي حتى الآن تخضع للتفتيش النووي بواسطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم تتمكن بعد، باعتراف إسرائيل والولايات المتحدة، من امتلاك تكنولوجيا صناعة القنبلة النووية، أو امتلاك القدرة على إطلاقها. لكن استهداف المواقع النووية الإيرانية، سواء المخصصة للأغراض المدنية مثل إنتاج الكهرباء بواسطة محطة بوشهر، أو المخصصة لتطوير العلاج بالإشعاع النووي، بواسطة مراكز الأبحاث العلمية، كما في جامعة طهران، من المرجح أن يقود إلى تعزيز خيارات التيار العسكري المتشدد في الحرس الثوري الإيراني في اتجاه تكثيف العمل على تحويل البرنامج النووي الإيراني بأسرع ما يمكن إلى التركيز على إنتاج سلاح نووي، وربما الكشف عن ذلك والتهديد باستخدامه فعلا، في حال استمرت إسرائيل في ضرب المنشآت النووية الإيرانية. وربما يدرك صناع القرار في كل من تل أبيب وواشنطن أنه من الصعب جدا تدمير البرنامج النووي الإيراني، أو تدمير إيران كلها. وإذا اعتقد نتنياهو أو ترامب أن احتلال إيران بريا بقوات على الأرض، يمكن أن يعيد إنتاج ما حدث في العراق عام 2003 فإنهما يرتكبان خطأ فادحا، لأن إيران وعت دروس العراق، بل إنها كانت شريكا في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة. إن أقصى ما تستطيع أن تفعله الضربات الإسرائيلية والأمريكية هو تعطيل البرنامج النووي الإيراني، أو إعادته إلى الوراء عدة سنوات وليس عدة عقود. بعد ذلك لن يكون اختيار إيران السياسي بعيدا عن امتلاك سلاح نووي، وليس مجرد القدرة على إنتاجه. لقد فتح اغتيال المرشد علي خامنئي الطريق أمام الحرس الثوري الإيراني، للانقضاض تماما على عملية صنع القرار، وتهميش الجناح السياسي المعتدل في نظام الحكم. ومن المرجح إذا استمر تهديد إسرائيل والولايات المتحدة للبرنامج النووي الإيراني أن يُسقِط الحرس الثوري الفيتو الذي كان الإمام الخميني قد وضعه على امتلاك إيران السلاح النووي. وعند ذلك ستصبح إيران كوريا شمالية جديدة، تملك سلاح الردع المطلق وتقدر على استخدامه، وهو ما يعيد السياسة الإسرائيلية – الأمريكية تجاه إيران إلى المربع الأول أو الانتحار.
فشل السيناريوهات الإسرائيلية الأمريكية واحدا بعد الآخر، يشير إلى فشل استراتيجي لأجهزة المعلومات وسوء تقدير المصادر المحلية التي تعتمد عليها أجهزة الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية
إن حالة الفزع التي تجتاح دول الخليج العربية في الوقت الحاضر خشية حدوث تسرب نووي من منشآت إيرانية قد تؤدي إلى تسارع نطاق الهجرة المؤقتة، وهروب العمالة الوافدة تدريجيا للنجاة من التأثير المحتمل لتسرب الإشعاعات النووية، ما قد يسفر عن حالة من الشلل الاقتصادي الجزئي في تلك الدول. وقد تبدو الأمور هادئة حتى الآن، لكن صدور بيان واحد عن رصد تسرب إشعاعات نووية، قد يفتح بوابة هروب للخارج يصعب في ما بعد إغلاقها. ومن مصلحة دول الخليج العربية أن تستخدم ما لديها من قوة ومزايا للضغط على الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل من أجل وقف الهجمات على المواقع النووية الإيرانية. وإذا فشلت تلك الضغوط فلن يكون أمامها طرق كثيرة لتحقيق النتيجة المرجوة إلا باستخدام سلاح النفط، أو طلب إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، والانسحاب من برامج التعاون العسكري الإقليمي، التي تضمها مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. في نهاية الأمر فإن خلق أزمة سياسية مع الولايات المتحدة هو أقل ضررا من التعرض لتأثير التسرب الإشعاعي النووي. وعلى التوازي فإن الدول العربية الخليجية التي تربطها اتفاقيات تعاون، أو تحالف مع إسرائيل يتعين عليها التخلي عن طموحاتها الأنانية الحمقاء، وأن تتخذ القرارات السليمة بتجميد كل تلك الاتفاقيات في أسرع وقت ممكن. إن استمرار الحرب لن يؤدي إلى رحيل إيران، كما أن ضرب المنشآت النووية الإيرانية لن يؤدي إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني، على إسرائيل أن تعرف ذلك. وعلى الولايات المتحدة أن تعرف ذلك. وعلى دول الخليج العربية المتواطئة مع إسرائيل أن تعرف ذلك.
إن تحليل مسار الحرب حتى الآن يشير إلى أن الطرفين، رغم الفارق الكبير في ميزان القوى بين إسرائيل والولايات المتحدة من جانب، وإيران من الجانب الآخر، قد استخدما استراتيجية يمكن أن يطلق عليها «التصعيد المتدرج المتبادل» (gradual mutual escalation)، مع ملاحظة أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا دائما، منذ اشتركتا معا في توجيه الضربة الأولى إلى مراكز القوة وصنع القرار في طهران، الطرف الذي يبادر بالانتقال من مرحلة في الحرب إلى التصعيد في المرحلة التالية. المبادرة بشن الحرب وتصعيدها أصبح المبدأ الحاكم للاستراتيجية العسكرية التي يتبناها نتنياهو، كما قال هو نفسه قبل أيام. وتفيد متابعة تطورات الحرب أن فشل السيناريو الإسرائيلي – الأمريكي واحدا بعد الآخر، يشير إلى فشل استراتيجي لأجهزة المعلومات وسوء تقدير المصادر المحلية التي تعتمد عليها أجهزة الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية. ومن أبرز مظاهر الفشل سقوط السيناريو الساذج بشأن الثورة الشعبية على النظام في إيران، وهو سيناريو تورط فيه كل من نتنياهو وترامب بشكل أحمق، عن طريق توجيه نداءات حماسية من تل أبيب وواشنطن للشعب الإيراني بالنهوض وتولي مقاليد الأمور، على اعتبار أن الطريق أصبح ممهدا لتغيير نظام الحكم، بعد خلق ما اعتقدت تل أبيب وواشنطن أنه حالة فراغ سياسي باغتيال المرشد الأعلى للثورة، في الضربة الأولى للحرب. لقد فشلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية أيضا في تقدير قدرة إيران على الصد والرد، كما فشلت في تقدير كم ونوع الأضرار التي يمكن أن تلحقها الضربات العسكرية. الولايات المتحدة تقول إن إيران فقدت ما يقرب من ثلث قوتها الصاروخية حتى الآن، ما يعني أن قدرتها على مواصلة الحرب لا تزال كبيرة، على العكس من تقدير إسرائيل بأن حجم ما فقدته إيران يصل إلى حوالي ثلاثة أرباع قوتها الصاروخية. إسرائيل لم تضع في اعتبارها أبدا أن تفشل دفاعاتها الجوية والصاروخية في تأمين أجوائها، بالقدر الذي حققته في الحروب السابقة. بل إن الصواريخ والمسيرات الإيرانية نجحت في تحطيم أسطورة منظومة القبة الإشعاعية (قبة سلاح الليزر) التي حاولت إسرائيل ترويجها. لقد فشلت القبة الإشعاعية، وكان نصيبها من الفشل لا يقل عن نصيب القبة الحديدية، فقررت قيادة جيش الاحتلال سحبها من مسرح العمليات حتى لا يفتضح أمرها. ما أريد أن أؤكد عليه هنا، هو أن انتقال الحرب إلى مرحلة حافة الصدام النووي يحولها من مجرد حرب ضد إيران إلى حرب ضد البشرية، وأن دول العالم ومن ضمنها دول الخليج العربية يجب أن تستخدم كل أساليب الضغط الممكنة من أجل إنهائها وليس الاحتفال بتصعيدها.
كاتب مصري