تستعد الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة رئيس الوزراء المكلّف بتشكيل الحكومة علي فالح كاظم الزيدي، لدخول واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية تعقيداً منذ سنوات، في ظل تصاعد الضغوط المالية وتراجع الإيرادات النفطية، بالتزامن مع أزمات داخلية متراكمة تتعلق بالبطالة والفقر وضعف القطاعات الإنتاجية.
ومن المقرر أن يصوّت مجلس النواب على منح الحكومة الثقة نهاية الأسبوع المقبل، وسط تحذيرات من أن السلطة التنفيذية المقبلة ستجد نفسها أمام تحديات تتجاوز القدرة التقليدية على المعالجة، خاصة مع استمرار اضطراب تصدير النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً أساسياً لصادرات العراق النفطية.
ويعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على عائدات النفط التي تشكل نحو 90% من الإيرادات العامة، في وقت تستحوذ فيه الرواتب والتقاعد على ما يقارب نصف الإنفاق الحكومي، مع وجود أكثر من أربعة ملايين موظف في القطاع العام، مقابل ضعف واضح في الإيرادات غير النفطية وتراجع مساهمة الزراعة والصناعة في الاقتصاد الوطني.
ويرى مراقبون أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بإدارة أزمة مزدوجة تتمثل في احتواء الصدمات المالية العاجلة، إلى جانب معالجة الاختلالات البنيوية التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار، قال عضو مجلس النواب جمال كوجر إن الحكومة الجديدة ستواجه تحديات اقتصادية وأمنية متشابكة، مشيراً إلى أن أخطر الملفات يتمثل في الوضع المالي الناتج عن السياسات السابقة التي اعتمدت بشكل متزايد على الاقتراض الداخلي لتغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين.
وأضاف أن هذا النهج تسبب بارتفاع الدين العام وإضعاف قدرة الجهاز المصرفي على تمويل المشاريع الاستثمارية، بالتزامن مع هشاشة الاقتصاد العراقي أمام أي اضطراب في أسعار النفط أو حركة التصدير.
كما أشار إلى أن الحكومة ستواجه ملفات معقدة أخرى، بينها ارتفاع معدلات البطالة والفقر، واستمرار أزمات الخدمات والطاقة والمياه، فضلاً عن القضايا العالقة مع إقليم كردستان، خصوصاً ما يتعلق بالنفط والموازنة والمنافذ الحدودية.
من جهته، أوضح الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن الأزمة الحالية كشفت حجم الاعتماد الخطير على النفط، مبيناً أن أكثر من 80% من الصادرات العراقية تمر عبر المنفذ الجنوبي في البصرة وتتجه بمعظمها نحو الأسواق الآسيوية.
وأشار إلى أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز تسبب بانخفاض حاد في الصادرات النفطية، بعدما تراجعت من نحو 3.3 ملايين برميل يومياً إلى مستويات متدنية للغاية خلال الأشهر الماضية، ما انعكس مباشرة على الإيرادات الشهرية التي هبطت من أكثر من سبعة مليارات دولار إلى أقل من مليار دولار.
وأكد الهاشمي أن الحكومة قد تضطر إلى اللجوء لخيارات محدودة مثل الاقتراض الداخلي أو إجراءات مالية عبر البنك المركزي، في ظل بطء مشاريع إيجاد منافذ تصدير بديلة مثل خطوط الأنابيب عبر سورية أو تركيا.
بدوره، رأى أستاذ الاقتصاد علي عبد الهادي أن المشكلة لا تتعلق فقط بتراجع الإيرادات النفطية، بل بوجود اختلالات هيكلية عميقة داخل الاقتصاد العراقي، أبرزها تضخم الجهاز الحكومي وضعف النظام الضريبي واتساع الاقتصاد غير الرسمي.
وأضاف أن استمرار أزمات الكهرباء وشح المياه أثّر بشكل مباشر على الزراعة والصناعة، ما زاد من الاعتماد على الاستيراد وأضعف الأمن الغذائي، إلى جانب استمرار ضعف القطاع المصرفي وتراجع الثقة بقدرته على تمويل القطاع الخاص.
وأشار إلى أن الفساد وضعف السيطرة على المنافذ الحدودية أسهما في استنزاف موارد الدولة وتوسيع عمليات التهريب، ما يزيد من صعوبة الوضع المالي والاجتماعي.
وأكد عبد الهادي أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب إصلاحات اقتصادية واسعة تشمل إعادة ترتيب الإنفاق العام، وتنشيط الإيرادات غير النفطية، ودعم القطاعات الإنتاجية، وإصلاح القطاع المصرفي، إلى جانب تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية وتحسين بيئة الاستثمار، بهدف تقليل الاعتماد على النفط وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.