بغداد/ تميم الحسن
انقلبت "الترتيبات الهادئة" لتشكيل الحكومة الجديدة، خلال الأسبوعين الأخيرين، إلى ما يشبه "الفوضى المفتوحة"، وفق توصيف سياسي شيعي مطلع، في تحول مفاجئ أعاد الجنرال الإيراني إلى بغداد، وأربك التفاهمات التي كانت تبدو حتى وقت قريب شبه محسومة.
ويأتي هذا الارتباك بالتزامن مع تعثر محاولات التفاهم بين طهران وواشنطن، وارتفاع احتمالات العودة إلى سياسة حافة الهاوية، في وقت كان فيه رئيس الوزراء المكلف، علي الزيدي، يستعد لتقديم تشكيلته الوزارية خلال الأسبوع الحالي، قبل أن تدفع التطورات الجديدة نحو تأجيل محتمل إلى نهاية أيار أو مطلع حزيران المقبل.
ويجد الزيدي نفسه الآن وسط معادلة شديدة التعقيد بين ضغوط أميركية لإبعاد الفصائل عن مفاصل الدولة، مقابل ضغط إيراني متصاعد عبر جماعات مسلحة ترفض أي حديث عن تفكيك النفوذ أو نزع السلاح.
لماذا عاد الجنرال؟
خلال أقل من شهر، عاد إسماعيل قاآني، قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، إلى بغداد، وسط مؤشرات على تعثر التفاهمات التي وصفت سابقاً بـ"الهادئة" داخل "الإطار التنسيقي".
ويقول سياسي شيعي قريب من أجواء المفاوضات إن "الأمور تحولت إلى فوضى"، مرجعاً ذلك إلى "الشد والجذب بين طهران وواشنطن".
ويضيف، في حديث لـ(المدى) طالباً عدم كشف هويته، أن "هناك تغيرات غير مفهومة طرأت على الموقف الإيراني من ترتيبات تشكيل الحكومة، وفي توقيت مفاجئ".
ويتابع: "كانت إيران، على ما يبدو، راضية عن الصيغة التي جرى على أساسها التمهيد للحكومة الجديدة، لكنها عادت الآن للاعتراض، من دون وضوح الأسباب".
وتسربت، مساء السبت، معلومات عن وصول قاآني إلى بغداد، بعد ساعات فقط من خطاب مقتدى الصدر، الذي حذر فيه مجدداً من "خلطة العطار"، وهي العبارة التي يستخدمها للإشارة إلى النفوذ الإيراني، في ما بدا وكأنه تلميح مبكر إلى الزيارة قبل تداولها إعلامياً.
وعادة ما يجري التكتم على زيارات قاآني إلى العراق لأسباب أمنية، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة، إذ يتم تداول خبر الزيارة بعد مغادرته البلاد، وغالباً ما يُعلن عنها في عطلة نهاية الأسبوع.
ويرجح السياسي الشيعي أن تكون واشنطن قد مارست "ضغوطاً غير اعتيادية" بشأن مشاركة حلفاء إيران في الحكومة الجديدة، ما تسبب بارتباك داخل "الإطار التنسيقي"، خصوصاً بعد اكتشاف حجم الدعم الذي يحظى به الزيدي من الولايات المتحدة ودول أخرى.
ووفقاً لما يجري تداوله في الكواليس، فإن الشروط الأميركية توسعت لتشمل منع شخصيات مرتبطة بالفصائل من تولي أي منصب عام، حتى بدرجة مدير عام، وهو ما تعتبره أوساط الفصائل "اجتثاثاً سياسياً".
ويأتي التحرك الإيراني في لحظة تبدو فيها طهران وواشنطن أقرب إلى المواجهة منها إلى التسوية، فيما تُعد بغداد، بحسب تقديرات محللين، آخر مراكز النفوذ الثقيلة لإيران بعد الانتكاسات التي تعرض لها مايمسى بـ"محور المقاومة" في لبنان وسوريا.
ورغم الضربات السياسية والعسكرية التي تعرضت لها طهران خلال الأشهر الأخيرة، فإنها لم تتخل عن حلفائها في العراق، وأعادت إرسال قاآني أكثر من مرة لضبط التوازنات.
وكان يُفترض أن تكون إيران قد نجحت، الشهر الماضي، في صياغة "النهاية الصامتة" لأزمة تشكيل الحكومة، التي استمرت قرابة ستة أشهر بين محمد السوداني ونوري المالكي.
وبعد زيارة قاآني الأولى، منتصف نيسان الماضي، تمكن "الإطار التنسيقي"، للمرة الأولى منذ انتخابات 2025، من تقديم مرشح توافقي لرئاسة الحكومة، بدا أن واشنطن تلقفته سريعاً.
وكان السياسي والنائب السابق مثال الآلوسي قد قال لـ(المدى) إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدت موافقة على دعم الزيدي، رغم أن الجهة التي دفعت باسمه لا تزال غير واضحة بشكل كامل.
وربط الآلوسي صعود أسهم الزيدي بما وصفه بـ"خطأ السوداني" في حادثة كمين الدبلوماسيين الأميركيين مطلع نيسان الماضي، أثناء نقل صحفية مختطفة لدى جماعات مسلحة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن واشنطن درست عدة أسماء بديلة للسوداني، لكنها لم تجد مؤشرات كافية على قدرة تلك الشخصيات على احتواء نفوذ إيران أو ضبط الفصائل المسلحة.
وفي ذروة تلك الأزمة، كانت طهران قد دفعت بما عُرف بخطة "التغلغل الهادئ"، الهادفة إلى إعادة تموضع الفصائل داخل مؤسسات الدولة عبر شخصيات غير معروفة، مع نزع شكلي للسلاح.
«ترامب يكذب»!
يقول وليد الحيالي، القيادي في منظمة بدر بزعامة هادي العامري، إن "الحديث عن دعم ترامب لعلي الزيدي غير صحيح، ولا توجد أي دلائل حقيقية على ذلك".
ويضيف، في تصريح لـ(المدى)، أن "ترامب ينظر إلى العراق من زاوية الثروات والاقتصاد، وربما وجد في الزيدي شخصية مالية مناسبة، فحاول ركوب الموجة والإيحاء بأنه يقف خلف ترشيحه، لكن هذا الكلام غير دقيق".
لكنه يشير، في المقابل، إلى وجود "فريق يعمل في الكواليس" ساعد الزيدي على بناء علاقات مع واشنطن ودول أخرى.
وكان ترامب قد قال، مساء السبت الماضي، إن ما جرى في العراق خلال الفترة الأخيرة "يبعث على الرضا"، مؤكداً أنه "سعيد باختيار رئيس الوزراء المكلف".
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على أن الزيدي يتجه إلى مواجهة الفصائل المسلحة، إذ لم يلتق ببعض تلك الجماعات خلال جولات التفاوض الأخيرة، رغم أنها كانت من القوى التي دعمت ترشيحه داخل "الإطار التنسيقي".
في المقابل، تتصاعد التسريبات حول وجود لجنة ثلاثية تُعنى بملف نزع سلاح الفصائل، تضم محمد السوداني وهادي العامري إلى جانب الزيدي.
وزاد الصدر من تعقيد المشهد بعدما دعا إلى تحويل الفصائل إلى "جند للشعائر الدينية" - في بيانه الأخير الجمعة الماضية- تحت سلطة هيئة الحج والعمرة، أو تحويلها إلى تشكيلات إنسانية للإغاثة، معتبراً أن من يرفض ذلك "خارج عن القانون".
وترى أوساط مقربة من الصدر أن المقترح يمثل "طوق نجاة" للفصائل وللحكومة المقبلة، لتجنب الاغتيالات أو العقوبات الدولية، مقابل حل الأجنحة المسلحة التابعة للتيار الصدري.
وجاء بيان الصدر بعد صمت استمر ستة أشهر تزامنت مع أزمة تشكيل الحكومة، ليعيد مجدداً استخدام تعبير "خلطة العطار"، في إشارة إلى تعقّد المشهد السياسي واحتمالات الانفجار.
في المقابل، تتمسك فصائل مثل "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" بالسلاح، وتعتبر التخلي عنه "خطاً أحمر"، بحسب تصريحات زعيم الأخيرة أكرم الكعبي.
وكان لافتاً صمت الفصائل تجاه تصريحات ترامب واتصاله بالزيدي، ودعمه تشكيل حكومة "خالية من الإرهاب"، في إشارة تفهم أميركياً على أنها تستهدف الجماعات المسلحة، وهو ما عد جزءاً من ترتيبات "التغلغل الهادئ".
ما مصير الحكومة؟
حتى قبل تسريب خبر وصول قاآني مجدداً إلى بغداد، كانت فرص تمرير الكابينة الوزارية هذا الأسبوع تبدو مرتفعة، لكن التطورات الأخيرة قلبت التقديرات.
ويقول الباحث السياسي وائل الركابي، المقرب من فريق المالكي، إن "ضغط الأحزاب على تقاسم الوزارات، إلى جانب الضغوط الأميركية لإبعاد الفصائل، قد يدفع إلى تأجيل التصويت على الحكومة إلى ما بعد عطلة العيد"، أي إلى نهاية أيار أو بداية حزيران.
وتكشف كواليس المفاوضات عن صراع شيعي حاد على وزارة النفط، التي يفترض، وفق الأعراف داخل "الإطار التنسيقي"، أن تذهب إلى الكتلة الأكبر، أي إلى حصة السوداني.
لكن نوري المالكي، بحسب مصادر سياسية، ما زال يتمسك بالوزارة، ويرفض التخلي عنها في اللحظة الأخيرة، رغم الضربة التي تلقاها مرشحه للمنصب علي معارج البهادلي، وكيل وزير النفط.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت، الخميس الماضي، عقوبات على البهادلي إلى جانب فصيلين عراقيين، بتهمة دعم إيران.
وكانت (المدى) قد كشفت، العام الماضي، نقلاً عن مصادر مطلعة، وجود أطراف قريبة من إيران عطلت تفاهمات استئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي، ما تسبب لاحقاً بأزمة حادة بعد إغلاق مضيق هرمز خلال "حرب الأربعين يوماً".
كما فرضت واشنطن عقوبات على قادة في "كتائب سيد الشهداء" و"عصائب أهل الحق"، بتهم تتعلق بتهريب النفط وتمويل وتسليح جماعات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني و"حزب الله".
ومن بين المشمولين بالعقوبات ليث الخزعلي، شقيق زعيم «العصائب» قيس الخزعلي، الذي جرى تداول اسمه مرشحاً لوزارة الداخلية.
ويرى وليد الحيالي أن على الزيدي فتح ملفات الفساد التي شهدتها السنوات الثلاث الماضية، ومعالجة أزمات تصدير النفط، وتجنب تكرار أزمة هرمز.
ويؤكد أن "الإطار التنسيقي" لم يتورط في اختيار الزيدي، كما "لم يتورط سابقاً في مصطفى الكاظمي"، مضيفاً أن الإطار "ندم لاحقاً على خروج الكاظمي من السلطة".
ويحمّل الحيالي السوداني مسؤولية إثارة أزمات سياسية عدة، خصوصاً بعد شروعه بتشكيل تحالف سياسي كبير شارك بالإنتخابات خلافا لشروط التحالف الشيعي.