ترجمة حامد أحمد
تناول تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية حملة مكافحة الفساد الواسعة التي تقودها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي في العراق، والتي طالت مسؤولين ونوابًا في مؤسسات الدولة، متسائلة فيما إذا ستؤدي الحملة إلى إصلاح حقيقي أم ستكون مجرد حملة مؤقتة، في وقت يشكك فيها البعض بعدم وجود ضمانات للقضاء على الفساد في العراق، ولكن من جانب آخر أكدت مصادر حكومية عن وجود إرادة حقيقية لبدء مرحلة جديدة تهدف إلى بناء دولة مؤسسات وتحسين الخدمات، بحيث يصبح العراق دولة طبيعية كبقية الدول بما لها من نجاحات وإخفاقات.
ويشير التقرير إلى أنه في الساعات الأولى من صباح 28 يونيو/حزيران، أُغلقت بوابات المنطقة الخضراء، وجابت دبابات أبرامز الأمريكية الصنع الشوارع، بينما انتشرت وحدات مكافحة الإرهاب، التي كانت ترتدي الزي الأسود، في أنحاء المنطقة. إلا أن الإجراءات هذه المرة لم تكن تهدف إلى منع الموجودين في الخارج من الدخول، بل إلى منع الموجودين في الداخل من المغادرة.
كان العراقيون قد استيقظوا مع بزوغ الفجر على أنباء اعتقال نحو 50 شخصًا، بينهم اثنا عشر نائبًا في البرلمان ومسؤولون كبار، إضافة إلى مصادرة مئات الملايين من الدولارات نقدًا وكميات من الذهب. كما انتشرت على نطاق واسع صور ومقاطع فيديو يُزعم أنها تُظهر عناصر أمن ملثمين وهم يخرجون خزائن مليئة بالأموال، وأكوامًا من المجوهرات، وحقائب مكدسة بالدولارات.
وتقول الغارديان بأن موجة الاعتقالات قوبلت بأكبر موجة شماتة شعبية يشهدها العراقيون منذ زمن طويل. فإذا كان هناك أمر واحد يجمع العراقيين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والطائفية والعرقية والاجتماعية، فهو قناعتهم بأن الأحزاب السياسية التي حكمت البلاد منذ عام 2003 غارقة في الفساد والمحسوبية وهيمنتها على مقدرات وموارد الدولة لمنافعها الخاصة.
ويشير التقرير إلى أن الحكومتين السابقتين لحكومة الزيدي كانتا قد استهلتا ولايتهما بخطوات مماثلة، معلنتين كشف شبكات فساد هائلة. غير أن كليهما أنهى فترة حكمه مع تهم فساد، فيما ظلت الخدمات العامة في البلاد مدمرة وعلى حالها. وتقول الغارديان: لماذا ينبغي أن يكون الأمر مختلفًا هذه المرة؟
قال مسؤول حكومي مطلع لصحيفة الغارديان: “لا، هذا ليس مجرد أمر يفعله كل رئيس وزراء. ما يحدث غير مسبوق، إنه زلزال حقيقي داخل الأوساط السياسية، لأنه يبعث برسالة إلى جميع السياسيين بشأن ما يمكن أن يحدث لهم. إلى الجميع، من دون أي استثناء”.
وقال مصرفي دولي سبق أن استعانت به إحدى الحكومات السابقة للمساعدة في إصلاح النظام: “لقد بنت الأحزاب دولًا داخل الدولة. ولدينا على الأرجح سبع أو ثماني دول مصغرة، تستنزف ما بين 5% و10% من قيمة كل عقد حكومي”.
دعم أميركي للقضاء على الفساد
وبحسب مسؤولين حكوميين، وأعضاء في البرلمان، ومصدر مقرب من السلطة القضائية، فإن الأمريكيين – الذين سئموا التعامل مع سياسيين عراقيين أخفقوا باستمرار في تحقيق أي إصلاحات – أقاموا بدلًا من ذلك علاقة تعاون وثيقة مع القضاء العراقي. ولعب المبعوث الأمريكي الجديد، توم باراك، دورًا نشطًا، مستفيدًا من المواقف المتزايدة الحزم التي أطلقها القضاء بشأن حصر السلاح بيد الدولة.
وعلى مدى أشهر طويلة، كان المحققون يبحثون عن قضية فساد يمكن كشفها للرأي العام. وكان التحدي يتمثل في العثور على قضية تثير عناوين الأخبار محليًا ودوليًا، وفي الوقت نفسه تضمن ألا يؤدي تداعيها إلى إسقاط النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003 بأكمله. وقد بدت قضية عدنان الجميلي مثالية لهذا الغرض؛ إذ تورط فيها عدد من السياسيين البارزين، لكنها توقفت عند هذا الحد ولم تصل إلى تسمية كبار زعماء الأحزاب.
وقال أحد المسؤولين الحكوميين: “إن الحكومة والسلطة القضائية تسعيان إلى تحقيق هدفين. الأول هو استعادة أكبر قدر ممكن من الأموال التي استولت عليها الأحزاب والقادة السياسيون على مدى السنوات الماضية”.
وكان رئيس الوزراء قد ألمح في عدة تصريحات إلى أنه إذا أُعيدت هذه الأموال، فلن تكون هناك تبعات قانونية إضافية.
يجب أن تطوى تلك الصفحة من الفساد
وأضاف المسؤول: “أما الهدف الثاني فهو قطع العلاقة، بكل أشكالها وتفاصيلها، بين الأحزاب والدولة، أي إنهاء العلاقة بين المكاتب الاقتصادية التابعة لهذه الأحزاب وكل زاوية من زوايا أجهزة الدولة. وبمعنى آخر، لن يعود بإمكان الأحزاب استخراج أي مكاسب من الدولة”.
وتابع: “إن فكرة أن تعيش الأحزاب على الحصص التي تحصل عليها من الدولة، عبر المشاريع والعمولات وما إلى ذلك، يجب أن تنتهي. يجب أن تُطوى تلك الصفحة. وأعتقد أن هذا سيكون أهم تحول يمكن أن يشهده العراق في تاريخه الحديث”.
ويبقى السؤال: هل ستحقق هذه الحملة الأخيرة لمكافحة الفساد نتائج حقيقية وملموسة؟ أم أنها ستنتهي، في أفضل الأحوال، إلى مجرد عملية تجميلية جديدة، إن لم تكن وسيلة لتصفية الحسابات السياسية؟ وكيف يمكن للعراق أن يصبح دولة طبيعية قادرة على تنفيذ الإصلاحات، وهو يقع على خط صدع إقليمي ويجد نفسه عالقًا وسط حرب متعددة الجبهات تدور على أرضه وفي أجوائه؟ وهل يمكن تحقيق هذا الإصلاح من دون مساءلة قادة الأحزاب والكيانات شبه المستقلة التي أنشأوها؟
ويختم المسؤول الحكومي بالقول: “لا توجد أي ضمانات بأن الفساد سينتهي، أو أن الأحزاب ستتوقف عن نهب الدولة. لكن ما نسمعه هو أن هناك بالفعل إرادة حكومية وقضائية لإنهاء مرحلة معينة وبدء مرحلة جديدة، مرحلة تصبح فيها الأمور طبيعية، وتتوافر فيها الخدمات الأساسية، وتنتهي فيها الأزمات المستمرة المتعلقة بالوقود والكهرباء والمياه وكل تفاصيل الحياة الأخرى. مرحلة يصبح فيها الوضع طبيعيًا، بمعنى أن تصبح دولتنا مثل أي دولة أخرى في العالم، لها نجاحاتها وإخفاقاتها”.
عن الغارديان البريطانية