بغداد ـ «القدس العربي»: بينما تشهد المنطقة توتراً ملحوظاً يُنذر بتجدد التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران، أثارت أنباء عن اختراق طائرات أمريكية وإسرائيلية الأجواء العراقية، غضب شخصيات سياسية ودينية، شددت على أهمية تأمين سماء العراق من أي انتهاكات، وضمان عدم استغلالها لتنفيذ هجمات على دول المنطقة.
وكان موقع «أكسيوس» الأمريكي قد كشف أن مقاتلات إسرائيلية اتبعت مسارا فوق سوريا والعراق واقتربت من إيران.
وأدانت كتلة «بدر» النيابية ما وصفتها «الخروقات الصهيونية» للأجواء العراقية، وعدّتها انتهاكاً خطيراً للسيادة الوطنية، محمّلةً الولايات المتحدة مسؤولية عدم الوفاء بتعهداتها بمنع استغلال الأجواء العراقية في الاعتداءات، فيما حذّرت من تداعيات ذلك على أمن العراق والمنطقة واحتمالات اتساع رقعة المواجهة الإقليمية.
وأكدت في بيان صحافي «رفضها المطلق استخدام الأجواء والأراضي والمياه الإقليمية العراقية للاعتداء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو أي دولة من دول الجوار»، داعيةً الحكومة إلى «الضغط على واشنطن للوفاء بالتزاماتها»، بينما طالبت القائد العام للقوات المسلحة بـ«اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الأجواء العراقية وتقديم شكوى موثقة إلى مجلس الأمن الدولي بشأن الخروقات».
وحذّرت من أن «استمرار الاعتداءات ومحاولات فرض قواعد اشتباك جديدة قد يدفع قوى المقاومة إلى الرد، بما يهدد بتحويل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة»، مشددةً على أن «السيادة العراقية خط أحمر، وأن حماية البلاد تبدأ بمنع انتهاك أجوائها وأراضيها، وترجمة المواقف الحكومية إلى خطوات عملية وحازمة».
على المستوى ذاته، اعتبر عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، النائب والقيادي في «بدر»، كريم عليوي، أن صمت الحكومة إزاء «التجاوزات الأمريكية والإسرائيلية» على السيادة العراقية، من خلال حركة الطيران وتجاوزات الحدود مع إيران، يثير تساؤلات بشأن موقف بغداد، معتبراً أن هذا الصمت قد يعطي انطباعاً بتواطؤ العراق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والوقوف إلى جانبهما ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
عليوي قال في تصريحات لوسائل إعلام مقربة من الفصائل، إن «التجاوزات الأمريكية والإسرائيلية تكررت خلال الفترة الماضية، رغم ما أشار إليه من التزامات تتعلق بمنع دخول الطائرات الأجنبية إلى الأجواء العراقية، بما فيها الطائرات الأمريكية»، مؤكداً أن «احترام السيادة يجب أن يكون أساساً في التعامل مع جميع الأطراف».
وأضاف أن «الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تجوب الأجواء العراقية، من دون اتخاذ إجراءات رادعة»، مشيراً إلى أن «وصولها إلى المناطق القريبة من الحدود الإيرانية يمثل، تهديداً واضحاً، ويتعارض مع الموقف الحكومي المعلن الرافض لاستخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار».
وطبقاً للنائب الذي ينتمي لمنظمة «بدر» بزعامة هادي العامري، أحد أقطاب «الإطار التنسيقي» الشيعي، فإن «استمرار هذه الانتهاكات، مع غياب موقف حكومي واضح، قد ينعكس على علاقات العراق الإقليمية ويضعه أمام تحديات سياسية وأمنية»، مشدداً على ضرورة «الحفاظ على التوازن في العلاقات الخارجية وعدم السماح باستخدام الأجواء أو الأراضي العراقية في أي عمليات عسكرية ضد دول الجوار».
وأشار إلى أن «الحكومة ووزارة الخارجية مطالبتان باتخاذ إجراءات دبلوماسية واضحة إزاء هذه التطورات، وإعلان موقف رسمي يرفض أي انتهاك للسيادة العراقية»، مؤكداً أن «السكوت عن مثل هذه الحوادث، يمس سيادة البلاد وكرامة شعبها».
وزير الخارجية يطمئن دول الجوار: لن نكون منطلقاً للاعتداء عليكم
ولفت إلى أن «مجلس النواب ولجنة الأمن والدفاع يرفضان، أي تجاوز على السيادة العراقية»، داعياً إلى «متابعة هذه الملفات واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حماية الأجواء والحدود العراقية ومنع استخدامها في الصراعات الإقليمية». أنباء اختراق الأجواء العراقية أكدها أيضاً خطيب الجمعة في النجف، رجل الدين الشيعي صدر الدين القبانجي، الذي أفاد بأن «الطيران الإسرائيلي يخترق أجواء العراق، في خرق للسيادة والقوانين الدولية».
وقال في خطبة الجمعة إن «الأخبار الرسمية تقول إن الطيران الإسرائيلي يخترق أجواء العراق، وهذا خرق للسيادة وتجاوز على كل القوانين الدولية، وتجاوز على حرمة العراقيين ومشاعرهم»، داعياً الحكومة العراقية إلى «اتخاذ موقف جاد في مواجهة هذا التجاوز».
في الطرف المقابل، نقلت مواقع إخبارية محلية تصريحاً لرئيس «هيئة الإعلام الأمني» الاتحادية، الفريق سعد معن، تحدث فيه بأن «العراق يرصد الخروقات الجوية عبر مراكز الاستطلاع، ويوثقها ويرسل معلوماتها إلى وزارة الخارجية، التي تحتفظ بحق البلاد في الرد»، مشدداً على أن العراق «يلتزم الحياد ولا يريد الانجرار إلى صراعات لا يرغب في دفع ثمنها».
وأشار معن إلى أن «المشاعر شيء، والواقع شيء، والتعامل البراغماتي العملي شيء آخر»، لافتاً إلى «استمرار دعم السيادة الجوية العراقية، وأن المرحلة المقبلة ستشهد تغيراً ملموسا، رغم أن خطة العراق ودستوره وعقيدته تقوم على الدفاع لا الهجوم».
ويتخذ العراق مساراً يعتمد على الدبلوماسية في التعبير عن موقفه الرافض لأي تصعيد عسكري في المنطقة، وسط تأكيد بعدم السماح باستغلال أراضيه لشن هجمات تستهدف دول الجوار والمنطقة.
وأعلنت وزارة الخارجية السعودية أن وزيرها فيصل بن فرحان تلقى اتصالاً من وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، أكد فيه موقف العراق الثابت بعدم السماح باستخدام أراضيه منطلقًا لأي اعتداءات تمس أمن السعودية ودول المنطقة.
وأضافت الوزارة في بيان صحافي أن «الاتصال شهد استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وسبل تعزيز التعاون بينهما في مختلف المجالات، ولا سيما المجال الأمني، بما يسهم في التعامل مع التحديات الإقليمية الراهنة».
وأعرب حسين، حسب البيان، عن «إدانة الحكومة العراقية للاعتداءات على السعودية، ورفضها كل ما يطال المدنيين والمنشآت المدنية من أذى»، مؤكدًا «موقف العراق الثابت بعدم السماح باستخدام أراضيه منطلقًا لأي اعتداءات أو أعمال تمس أمن المملكة ودول المنطقة».
فيما أكد وزير الخارجية السعودي «دعم المملكة لجهود الحكومة العراقية الرامية إلى خفض التوتر، ومساعيها في مواصلة العمل المشترك مع دول الجوار، بما يسهم بتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة».
أما الجانب العراقي فذكر تفاصيل أخرى عما دار في الاتصال، من بينها طرح العراق مبادرة لخفض التصعيد في المنطقة.
ووفق البيان العراقي تناول الاتصال «مستجدات الأوضاع الأمنية في المنطقة، والتحديات التي تواجه دولها، فضلاً عن أهمية طرح مبادرة إقليمية تسهم في خفض التصعيد وتحقيق التهدئة»، مؤكدين ضرورة «استمرار التواصل والتشاور بين الجانبين إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك»، وفق البيان.
أيضاً بحث حسين مع روبرت مالي، رئيس مجموعة الأزمات الدولية والمفاوض الأمريكي السابق في الملف النووي الإيراني، المخاطر المحتملة في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
ووفق وزارة الخارجية جرى خلال اللقاء استعراض دور مجموعة الأزمات الدولية والتقييمات والدراسات التي تقدمها بشأن الأزمات والتحديات التي يشهدها العالم، كما استعرض الوزير الوضعين الأمني والعسكري في العراق، ولا سيما في أعقاب مغادرة قوات التحالف الدولي البلاد».
وأضاف البيان أن «الجانبين تبادلا وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية، وبحثا المخاطر المحتملة خلال الأيام المقبلة في ظل تصاعد التوترات واحتمالات اتساع نطاق الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران».
وتابع: «كما استعرض الوزير دور العراق في المنطقة، والجهود التي يبذلها لتعزيز الحوار والتهدئة، فضلاً عن المبادرة العراقية المطروحة خلال اجتماع دول مجموعة الثماني».