الوثيقة | مشاهدة الموضوع - صحيفة نيويورك تايمز....كيف هزمت سوريا القوى المتحالفة ضدها؟
تغيير حجم الخط     

صحيفة نيويورك تايمز....كيف هزمت سوريا القوى المتحالفة ضدها؟

مشاركة » الأحد يناير 08, 2017 4:39 am

ذات يوم اختارت تركيا والسعودية وقطر، وهي ثلاثة من اكبر القوى السنية في منطقة الشرق الاوسط، أن ترهن مقامها في المنطقة بنتيجة الحرب الدائرة في سوريا. هكذا حرصت الدول الثلاث، رغم تفرق كلمتها في اغلب الاحيان، على ان تصبح السند المتين للمتمردين في معركتهم ضد حكومة الرئيس بشار الاسد منذ اندلاع نشاط المعارضة في
2011.
لكن الاشهر الاخيرة بينت بوضوح أنها اختارت الطرف الخاسر.
بعد ذلك جاءت الاحداث الاخيرة، ومنها سقوط شرق حلب في الشهر الماضي، فأرغمت الدول الثلاث على اعادة ترتيب ستراتيجياتها، ثم اعقبت ذلك اتفاقية وقف اطلاق النار بوساطة روسيا وتركيا، التي اعلن عنها في اواخر كانون الاول الماضي، فكانت تأكيداً آخر على أن القوة هي التي توجه الدبلوماسية في الشرق
الاوسط.
جماعات المعارضة الرئيسية، التي واظبت تركيا والسعودية وقطر على دعمها منذ 2011، اخذت تستحيل الى شراذم من المتمردين منتشرة في الارياف وخارج المدن، وهذا معناه ان خطرها على حكومة الاسد قد انكمش وأنها اليوم غدت اكثر عرضة للانكسار على يد الجماعات الارهابية، أو الوقوع تحت اغراء الانضمام
اليها.
عما قريب سيصبح تقديم الدعم لهؤلاء المتمردين اصعب مما كان عليه في السابق، خصوصاً إذا نفذ الرئيس المنتخب “دونالد ترامب” وعوده الانتخابية بانهاء الدعم الاميركي لجماعات التمرد والتوجه اكثر للتعاون مع روسيا على محاربة الجماعات الارهابية في
سوريا.
هذا الوضع يجعل تركيا والسعودية وقطر تواجه تساؤلات اخلاقية وسياسية كبرى، فإن يكن النصر العسكري قد افلت ولم يعد بالامكان تداركه، ترى ما الذي يدعوهم اذن لمواصلة دعم المتمردين على حساب ازهاق ارواح المزيد من السوريين؟ وهل سيتمكنون مع وكلائهم من اقتطاع مناطق نفوذ تسمح لهم بتشكيل مستقبل
سوريا؟
ام هل يجب على داعمي التمرد أن يحدوا من خسائرهم ويجبروا المتمردين على القبول بأي هبة تعرضها روسيا عليهم، مثل تسهيل امور السياسة التركية في اواسط اسيا او مساعدة السعودية على تخليص نفسها من الورطة في اليمن؟ ام ان عليهم ترك حركة التمرد تلفظ انفاسها ببطء؟
وإن هم فعلوا ذلك، ألن يزداد حماس ايران وعنفوانها في المنطقة ويثبت عندئذ صدق الجماعات الارهابية التي تدعي أن الدول العربية عاجزة
وغادرة؟
تركيا هي الدولة الاعمق توغلاً واشد تورطاً بين القوى السنية الثلاث. ففي الصيف الماضي ارسلت قواتها عبر الحدود لصد “داعش” واحتواء الجماعات الكردية الساعية الى الاستقلال في سوريا (وفي تركيا ايضاً). لقد فقد الرئيس رجب طيب اردوغان حظوته لدى واشنطن واوروبا، بسبب طريقة تعامله في الداخل ومغامراته في الخارج، واصبحت فرصته معلقة بحسن نوايا الروس، لذا اخذت موسكو تستغل ضعف تركيا وشعورها بالسخط من خذلان الغرب
لها.
هذا الوضع اخذ يغير مسار الحرب السورية منذ الان. فقد تقبلت تركيا سقوط حلب على مضض مقابل الاعتراف لها بمنطقة نفوذ تمتد على طول الحدود التركية السورية. وبدلاً من دعم الجماعات التي تقاتل في حلب، او الضغط على قوات الاسد التي تحاصر المدينة، بادرت تركيا بسرعة الى انتزاع رقعة ارض من يد “داعش” قبل ان يقدم الكرد على
ذلك.
الكرملين اليوم لا يتصرف كمجرد منتصر شهم في سوريا، بل يطرح نفسه ايضاً وكأنه الوسيط الأوحد بين انقرة وحكومة الاسد وايران.
ففي الشهر الماضي استضافت موسكو لقاء لوزراء الخارجية والدفاع الروس والايرانيين والاتراك للتداول في مستقبل سوريا، وكانت هذه اشارة دالة على ما سيحدث في مقبلات الايام.
في البداية تفوقت روسيا بمكر على الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة ونجحت في تحييدهم، وهي الان تعمل على تشكيل مستقبل الصراع. فوقف اطلاق النار الذي توسطت فيه يعني اعادة ترتيبات العمل مع الخصوم في سوريا وخفض وتائر الحرب وفق شروط يمليها الروس والاسد، حيث تقترح موسكو ان يعقب وقف اطلاق النار حوار سياسي مع جماعات مختارة من المعارضة السورية.
ولكي ينجح هذا الاعداد يترتب على تركيا أن تقدم بعض اطراف المعارضة السورية المستعدة للقبول بما هو اقل كثيراً من رحيل
الاسد.
قد لا يروق هذا للاسد، ولكنه رغم ذلك قد يتقبل العملية التي يتولى توجيهها الروس باعتبارها شراً لا بد منه.
على الاسد أن يلعب اللعبة بلطف مع منقذه الرئيس “فلاديمير بوتين” حتى لو لم يقدم الكثير من التنازلات، اما تركيا فهي طرف ضروري لتحريك عملية السلام التي ستفضي الى القضاء على ما تبقى من جهود الولايات المتحدة والامم المتحدة التي ارادت ذات يوم احلال تغيير سياسي ينتهي برحيل
الاسد.
كذلك سيسفر الأمر عن تقييد قدرات ادارة ترامب على التصرف، فحتى لو انهار وقف اطلاق النار سوف تبقى لدى حكومة الاسد قدرة على سحق بقايا التمرد تحت غطاء روسي. هذا الترتيب سيحول ايضاً دون استقلال الكرد، وتلك مسألة يعارضها الاسد وايران وروسيا وتركيا
جميعاً.
كل هذا لا يبقي لقطر او السعودية ما يمكنهما فعله لأن كلتا الدولتين في الماضي كانتا تضخان السلاح والاموال عبر الاردن وتركيا لدعم المتمردين، ولكن هذين السبيلين الان اصبحا صعبين ان لم نقل مستحيلين. واذ لم تعد في يد السعودية، المجهدة المستنزفة, القدرة على تشكيل ساحة المعركة او توجيه دفة التحرك الدبلوماسي اخذت تعمل بصمت على نقل سوريا الى موقع ادنى في سلم اولوياتها.
فهمت الدولتان الخليجيتان ايضاً أن تركيا لن تخضع مصالحها لرغباتهما، بل ان تركيا في واقع الحال تحاجج الان بأن مساهمتها في الجهد الدبلوماسي الذي يقوده الروس ضرورية لكبح مطامح ايران وضمان انسحاب حزب الله والفصائل الشيعية الخارجية الاخرى من سوريا والحصول على تأكيدات من الاسد بالتنحي الهادئ في آخر المطاف. بالاضافة الى ذلك تسعى تركيا الى ادخال قطر والسعودية في العملية وهو امر لا تستسيغه
ايران.
لا يتوقع من الدولتين الخليجيتين ان تتخليا تماماً عما تبقى من حركات التمرد السوري لأن ثمن التخلي سيكون باهظاً جداً وسوف يأتي على حساب سمعتهما التي ستتضرر الى حد كبير، كما سيترتب عليهما التنازل عن اوراق مهمة في ايديهما من شأنها التأثير على الاتجاه الذي ستأخذه
سوريا.
من جهة اخرى أن المتمردين السوريين لن يتبخروا لمجرد انهم قد هزموا، لذا فإن الاحتمال الارجح هو ان يتواصل الدعم والتمويل بصورة اصولية ولكن بمستويات اوطأ وصوب اهداف اكثر تواضعاً. اما تركيا فسوف تبقى بحاجة الى قوة المتمردين وهي تخوض معركتها ضد “داعش” والجماعات الكردية
المسلحة.
السعودية وقطر لن يرضيهما أن تنعتا بالتخلي عن ابناء جلدتهما السنة في وقت تستقطب فيه المنطقة برمتها.
كذلك ستقاوم الدولتان المساعي التي يبذلها عدد من الدول الغربية والاسيوية والعربية لتطبيع العلاقات مع الاسد، الذي يبقى في نظرهما لاعباً معادياً ينبغي عزله وازاحته. اما كيف ومتى فهي مسألة اخرى يترك الجواب عليها الى وقت آخر.
ترجمة– أنيس الصفار
إميلي هوكاييم
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى الصحافة اليوم