الوثيقة | مشاهدة الموضوع - التعايش.. اختلاف ومساواة : رشيد الخيُّون
تغيير حجم الخط     

التعايش.. اختلاف ومساواة : رشيد الخيُّون

مشاركة » الخميس مايو 18, 2017 1:52 pm

طُرحت في المنتدى الإعلامي العربي بدبي (1-2/5/2017) مسألة التعايش، ضمن ندواته ذات العشرين دقيقة، ومعلوم أن التعايش يرتبط بالحوار، الذي كان شعار المنتدى لهذا العام. فأممٌ تتعايش بدولة الإمارات المتحدة، على مختلف أديانها ومذاهبها، والقانون شرع حرية العبادة، وجَرم الإساءة للأديان والكراهية والتكفير، وفرض عقوبات مشددة عليها (قانون 2 لسنة 2015)، وبالتالي فإن تطبيق مثل هذا القانون يحتاج إلى تكريس ثقافة التعايش، وهي دعوة تخرج من المحلية إلى المنطقة والعالم.

نُحت مصطلح «التعايش» من الجذر اللغوي «عاش»، معبراً عن كل ما يتعلق بأسباب الحياة: العيش، والعيشة، والعش الذي تنسجه الطُّيور عندما تمارس غريزة تجديد الحياة، والمعاش يأتي بمعنى الطعام والشراب، ومنه أُطلقت مفردة «المعاش» على الراتب الشهري، وعندما يُقال أُحيل على المعاش (التقاعد) أي ضُمن له الطعام والشراب. ووردت مشتقات «عاش» في الكتاب الكريم بمعانٍ واحدة ومتقاربة: معايش، ومعيشة، وعيشة: «وجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ » (الأعراف 10)، و«فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا» (طه 124)، و«فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ» (21-24).

أما ماهية التَّعايش، فإلى جانب الأسباب المذكورة، فهي أن يكون الإنسان حُراً في ما يعتقد، ويعيش مختلفاً لا متفقاً تقيةً أو مجاملةً أو خشيةً. ونعود إلى القرآن، الذي يتحارب فقهاء المذاهب على تفسره وتأويله، ولم يُبرزوا حكمة «التعايش»، ففيه الإنسان حرٌ في ما يعتقد: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (يونس 99)، «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (هود 118)، و«وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» (النَّحل 93). إذن الاختلاف مقدس، والتَّعايش مقدس أيضاً. لكن أتدرون ماذا فعل فقهاء «النَّاسخ والمنسوخ»، وأصحاب «الفِرقة الناجية»، كي يلغوا الاختلاف والتعايش معاً؟ قالوا تلك آيات منسوخات حكماً ومثبتات لفظاً (انظر، البغدادي، الناسخ والمنسوخ)، وقد يُعذر الأولون لإسناد صرامة الإمبراطورية دينياً، لكن ما شأن المتأخرين؟!

بما أن أحد معاني «العيش»: الطعام والشراب، كأول أسباب الحياة، استخدمها فقهاء الكراهية في نبذ وإقصاء الآخر، بينما ليس هناك طعام وشراب نجساً بذاته، إنما النجاسة أُضيفت بدوافع دينية ومذهبية، ليصبح التنجيس وسيلةً للضغط على المختلف دينياً ليتخلى عن دينه.

ونعود للقرآن أيضاً بما لا يقبل التَّأويل: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» (المائدة 5)، أي «ذبائح اليهود والنَّصارى» (المحلي والسيوطي، تفسير الجلالين). لكن آخرين قالوا: المقصود الحنطة والشَّعير والعدس (النَّجفي، جواهر الكلام)! مع أن ما يخلو من الدَّم ليس فيه اختلاف، وأن أحزاباً دينية، تسلمت مقاليد السُّلطة ببلدان مختلطة دينياً، تُثقف أتباعها بنجاسة الطعام الذي يلمسه مواطنهم غير المسلم، وأكثر من حادثة مؤلمة، لا مجال لذكرها، تسببت بكراهية عميقة وجفاء مؤلم.

عبر الشُّعراء عمَّا نطلبه من التعايش، فلا قيمة للوطن إذا لم يكن للإنسان المنتمي إليه كرامة، وحق في العيش ونفع بالتعايش، هذا أُنشد في حضرة المأمون العباسي (ت 218هـ)، لأبي أحمد بن أبي بكر الكاتب، وقيل إنه مات منتحراً بالسُّم (الثَّعالبي، يتيمة الدَّهر): «إذا لم يكن للمرء في دولة امرئٍ/ نصيبٌ ولا حظٌ تمنى زوالها/وما ذاك مِن بغضٍ له غير أنه/يُرجي سواها فهو يهوى انتقالها».

لا معنى للوطن بلا مواطنة، ولا قيمة للتساكن الحذر، وسط الكراهيات النائمة، ما أن يحدث حدثٌ ما إلا واستفزها، لتلتف كالأفاعي على أعناق أهل الأديان والمذاهب والعقائد، ولسان حال المزاحين عن أوطانهم يُنشد لعبيد بن الحر (قُتل 68هـ)، ونوثقه من كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي (ت 314هـ):«لا كوفةَ أمي ولا بصرةَ أبي/ ولا أنا يثنينِي عن الرِّحلة الكسل».

هذا ما رجاه الشاعر والمحامي العِراقي أنور شاؤول (ت 1984)، في رباعية تحت عنوان «يهودي في ظل الإسلام 1969»، عندما حاول القبول بالمساكنة المشروطة، فقال: «إن كنتُ من موسى قبستُ عقيدتي/ فأنا المقيم بظلِ دين محمد/ وسماحة الإسلام كانت موئلي/ وبلاغة القرآن كانت موردي/ ما نال من حبي لأمة أحمدَ/ كوني على دين الكليم تعبَّدي/ سأظل ذياك السَّموأل في الوفا/أسُعدتُ في بغدادَ أم لم أسعدِ» (شاؤول، قصة حياتي في وادي الرافدين)!

ومع أن هذه عاطفة شاؤول الفياضة لوطنه، صَحفت بعض الصحف اللبنانية، عن عمدٍ، عبارة «قبستُ عقيدتي» ونشرتها «فبأس عقيدتي»، لإسقاط حتى المساكنة المشروطة عن الشاعر وقومه داخل العراق، ذلك إذا علمنا أن ما تعيشه مجتمعاتنا يُعدُ تساكناً لا تعايشاً؟

أقول: لا يُسمَّى تعايشاً إذا لم يكن اختلافاً ومساواة. هنا يأتي دور الدولة الوطنية الحامية لهذه المعادلة، والتي يُهدد وجودها تأسيس كيانات سياسية على محمل الدِّين والمذهب، لأن تلك الانتماءات مع السياسة قنابل موقوتة.

*نقلا عن صحيفة "الاتحاد".
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات