الوثيقة | مشاهدة الموضوع - الكردوفوبيا : صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

الكردوفوبيا : صادق الطائي

مشاركة » الأربعاء أكتوبر 11, 2017 2:25 am

عندما نطلع على التحركات الرسمية المعلنة للدول الثلاث تركيا وإيران والعراق، المعنية بشكل مباشر بتداعيات تسونامي الاستفتاء الكردي، نصاب باضطراب وعدم وضوح في الرؤية.
القوى الثلاث التي تشتبك في أكثر من صراع، في أكثر من ساحة من ساحات الحرب أو السياسة في الشرق الأوسط تجلس، اليوم إلى طاولة واحدة يجمعها توصيف واحد هو (الكردوفوبيا)، لماذا اجتمع الفرقاء اليوم وما الذي سيقررونه على طاولة رسم سياسة المنطقة بعد تسونامي الاستفتاء؟
في لحظة فارقة من زمن الأزمات الذي نعيشه، يتوحد الفرقاء ضد خطر واحد هو قيام دولة كردية في إقليم كردستان العراق. الحكومات العراقية منذ 2003 حتى الآن كانت متمادية في خنوعها أمام حكومة الاقليم، ولم تطالب بأي حق من حقوقها كحكومة اتحادية خوفا على (تعكير صفو) العلاقة بين بغداد وأربيل، فجأة تتحزم حكومة العبادي بحزام الأسد وتواجه (أطماع الإقليم) وتطالب بالسيطرة على المنافذ الحدودية والمطارات، وتطالب بالإشراف على تصدير نفط كركوك وغيره من مصادر البترول والغاز في الإقليم، على أن يتم ذلك وفق الحصص المتفق عليها. ويعد رئيس الوزراء الاكراد من سكان المحافظات الثلاث بعد سنوات عجاف من عدم استلام مرتباتهم، بأن الفرج مقبل على يديه بعد السيطرة على العائدات، ويتكفل بدفع مرتبات المساكين من عراقيي الاقليم. فهل سيكون لهذا السيناريو المفرط في تفاؤله الحظ في التنفيذ؟
الأتراك كانوا دائما الأعلى صوتا بين الفرقاء الثلاثة في هذه الأزمة، ويمكننا القول إن هذه الفوبيا تتجلى بأوضح صورها في التعامل التركي مع الازمة، والكل يعلم أن حادلة الدولة القومية التركية التي أطلق عنانها مصطفى كمال اتاتورك بعد الحرب العالمية الاولى، التي هرست كل مكونات الشعب تحت يافطة وحيدة هي القومية التركية، وحرمت الاكراد حتى من الاسم أو الملبس أو تعلم لغتهم القومية، لكل ذلك تتعامل الإدارة التركية بتحسس شديد مع أي حراك كردي، سواء كان داخل أراضيها أو قرب حدودها في الدول المجاورة، ولا يتوانى الساسة الأتراك عن إطلاق توصيف (الكيانات الإرهابية) على أي حركة أو حزب كردي يطرح فكرة الدولة القومية الكردية، لذلك نجد حكومة بن علي يلدريم كانت أول من هدد باستخدام القوة بكل أشكالها السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية تجاه إقليم كردستان العراق، إذا استمر بطروحاته القائمة على أساس نتائج الاستفتاء، وحق تقرير المصير، وقد صرح المسؤولون الاتراك مرارا بأنهم يرفضون نتائج الاستفتاء ولا يعترفون بها، لذلك وتزامنا مع إجراء الاستفتاء في 25 سبتمبر الماضي، انتقلت قوات عسكرية عراقية جوا لأول مرة في تاريخ العراق المعاصر لتنفذ مناورات مع قوات عسكرية تركية قرب الحدود العراقية، والغاية من ذلك كانت بحسب بعض المطلعين هي السيطرة بالقوة على منافذ العراق الحدودية مع تركيا، التي يسيطر عليها حزب الرئيس مسعود بارزاني في اربيل ودهوك.
يشهد تاريخ ايران الحديث بأنها كانت شريكا تاريخيا للاكراد، وبشكل خاص حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في مدن شرق الاقليم (السليمانية وكركوك وحلبجة)، ومع ذلك ومنذ الإعلان عن نية الاقليم اجراء الاستفتاء ساد التوتر بين الطرفين، وكانت تحركات ايران تتسم بالسرعة والتكتم والهدوء، مقارنة بالضجة التركية، حيث تم غلق المعابرالحدودية مع الاقليم، ومنعت حركة التجارة، وصرح عدد من المسؤولين الايرانيين بأن أي تعامل بين ايران والعراق سيكون عبر الحكومة المركزية. وكذلك انتقلت قوات عراقية جوا لتنفذ مناورات مع قوات ايرانية على الحدود والهدف كان كسابقه في الحدود العراقية التركية.
الاكراد أصروا على قطع المشوار حتى نهايته، وإن بدت الرحلة مبهمة ومحفوفة بالمخاطر، واستخدموا في هذه الأزمة خطابا شعبويا مليئا بالمغالطات، فنحن نسمع كل يوم تقريبا سياسيا كرديا يروي قصة المظلومية التي وقعت على الاكراد منذ مئة عام، تلك المظلومية القائمة على الرسم المتعسف لخرائط سايكس ـ بيكو، وقد آن الأوان لتمزيق هذه الخرائط ليعاد رسم المنطقة من جديد، بحسب وجهة نظر الأكراد. وهنا أحب أن استعير ما كتبه الدكتور عصام الخفاجي مؤخرا بهذا الخصوص، قائلا؛» يا سيادة الرئيس لو عرفت تاريخ كردستان في فترة انهيار الدولة العثمانية، لترحّمت على روحي سايكس وبيكو، وأثق بأنك ستقيم نصبا تذكاريا للسير مارك سايكس تحديدا». واضاف «لم تر وثيقة سايكس بيكو ولا أي من بنودها النور، لأن المنتصرين في الحرب العالمية الأولى اكتشفوا أن ثمة وقائع جذرية جديدة نشأت على الأرض، جعلت تطبيقها مستحيلا. ولكن لو أن تلك الاتفاقية رأت النور، لكان بعضا من حقوق الكرد قد تحقق. فلم يكن في تلك الاتفاقية كيان اسمه (العراق)، بل لم يكن ثمة تكوين يجمع أطرافه العربية. وقد نصّت الاتفاقية على أن تكون المنطقة الممتدة من البصرة إلى شمال بغداد مستعمرة يحكمها البريطانيون بشكل مباشر، وأن تكون المنطقة الممتدة من كركوك إلى جنوب فلسطين دولة يحكمها أبناؤها تحت الانتداب البريطاني. وكانت ولاية الموصل (التي لم تشمل كركوك) ستمتد إلى حلب لتكوّن دولة تخضع للانتداب الفرنسي يتوحد فيها أكراد العراق وسوريا، فضلا عن ضمّها لأجزاء من كردستان التركية. أمّا فارس وأكرادها فكانت في منأى عن كل الاتفاقيات، إذ لم تكن طرفا في الحرب وكانت الحدود بين أكرادها وأكراد الدولة العثمانية قد رسمت بشكل نهائي عام 1847، إذ تنازلت الأخيرة عن حقها في عربستان مقابل تنازل الأولى عن حقها في السليمانية». إذن عن أي مظلومية يتحدث الكرد اليوم؟
كذلك كان الامر بالنسبة لمعلومة «أن الاكراد هم القومية الوحيدة أو الاكبر في العالم التي لا تمتلك وطنا قوميا» فقد باتت اسطوانة مشروخة في عصر الإنترنت وحذاقة المتلقي الذي بحث فوجد عشرات، بل مئات الاقليات العرقية والدينية التي تتعايش داخل مجتمعاتها في الهند والصين واوروبا وامريكا الجنوبية، من دون المطالبة بوطن قومي، لكن هل يعني كل هذا أن ليس من حق الاكراد التفكير بدولتهم القومية؟ ونجيب، بالتأكيد من حقهم ذلك، ولكن الخوف كل الخوف بعد (ولكن)، حيث تكمن الاشارة إلى كل ما يعرفه الناس من ظروف اقليمية لا داعي لتكرارها، بالاضافة إلى العوامل الداخلية في كردستان، واوضح مثال على ذلك تصريح هيرو إبراهيم أحمد عقيلة جلال طالباني وقائدة حزبه الجديدة، بحق المجلس الذي تم تشكيله مؤخرا للتفاوض مع بغداد، بعد تحويل المجلس المشرف على الاستفتاء إلى ما بات يعرف بـ(المجلس السياسي لكردستان- العراق)، حيث أشارت إلى أنه خطأ كبير لن تشارك فيه بأي شكل، وهو يشبه مجلس قيادة الثورة في زمن صدام.. وأضافت قائلة؛ بدل أن نراجع موقفنا ونقيم التطورات بواقعية عقب قرار الاستفتاء، يتم تأسيس مجلس من دون مراجعة قيادة الأحزاب، وأشارت إلى أن الشعب يدفع اليوم ثمن عنادنا على إجراء الاستفتاء رغم النصائح الدولية بتأجيله.
في استقباله الرسمي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مطلع شهر اكتوبر الجاري، اعلن المرشد الايراني علي خامنئي تصريحات وتوصيفات قاسية بحق حكومة إقليم كردستان قائلا «على تركيا وإيران القيام بأي إجراء ممكن لمواجهة استفتاء كردستان العراق»، وقد وصف الاستفتاء «بأنه خيانة للمنطقة، وتهديد لمستقبلها». وأشار المرشد الإيراني وبوضوح ودون لبس إلى «أنه لا يمكن الوثوق بأمريكا والقوى الأجنبية التي تعمل على إيجاد إسرائيل جديدة في المنطقة». في حين أعلن رئيسا البلدين اردوغان وروحاني في اجتماعهما الأخير في طهران عن إنشاء آلية ثلاثية (تركية – ايرانية – عراقية) لمواجهة نتائج الاستفتاء الكردي. وبعد كل ذلك هل ستستمر القيادة الكردية بمواجهة هذه (الكردوفوبيا) بتصريحاتها الخائبة نفسها؟ وهل سيقتنع المواطن الكردي بتحمل المزيد من الاعباء؟
كاتب عراقي
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات