الوثيقة | مشاهدة الموضوع - المنطقة العربية والتغيير الحتمي محمد عايش
تغيير حجم الخط     

المنطقة العربية والتغيير الحتمي محمد عايش

مشاركة » الثلاثاء مارس 06, 2018 2:49 am

لم تشهد المنطقة العربية منذ نحو سبعين عاماً أسوأ من المرحلة التي نعيشها هذه الأيام، ولم يسبق أن وصلت حالة التردي العربي إلى ما نحنُ فيه اليوم، إذ يتجرَّع العربُ من المحيط إلى الخليج كأس الألم، بدون أن تلوح في الأفق أي حلول؛ ابتداء من قضية فلسطين التي تواجه تهديداً أكبر من أي وقتٍ مضى، وصولاً إلى المجازر في سوريا وليبيا واليمن، ومروراً طبعاً بانهيار أهم تكتل وحدوي عربي وهو «مجلس التعاون الخليجي» الذي كان نموذجاً لحُلم عربي قديم.
التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات السبع الأخيرة، لا تعني بالضرورة أن ثورات الربيع العربي فشلت، وإنما واقع الحال أن هناك أطرافا دولية وإقليمية معادية لشعوبنا استطاعت استغلال الأحداث، التي أدت إلى انهيار عدد من الأنظمة العربية وضعف أخرى، ونجحت في تحويل المسار التحرري لهذه الثورات، أو أنها نجحت في تمرير مشروعات مضادة وسط موجة التغيير التي تشهدها المنطقة. خلال السنوات السبع الماضية، تدفقت على المنطقة قوى جديدة أولها وأبرزها روسيا، التي باتت تلعب في سوريا كما لم تكن من قبل، وظهرت كل من تركيا وإيران، فضلاً عن أن دول الخليج باتت لاعباً مهماً في مختلف أنحاء العالم العربي، خاصة في الدول التي شهدت ثورات وانتفاضات شعبية، في الوقت الذي لم تغب فيه الولايات المتحدة عن هذه المنطقة بكل تأكيد. أما الانتكاسة الأسوأ عربياً فهي السباق نحو إسرائيل والتنافس على استرضاء تل أبيب، وصولاً إلى تسريبات «صفقة القرن» التي تمثل حلاً أسوأ من كافة العروض التي تلقاها العربُ خلال الفترة الماضية، وهي الصفقة التي لا يمكن فهمها إلا في سياق واحد، وهو أن بعض الدول العربية تريد أن تتنازل للإسرائيليين عن القدس وعن حق عودة اللاجئين مقابل الحصول على «الرضا الإسرائيلي».
في العالم العربي أصبحت الدولة إما ضعيفة أو شبه غائبة أو منعدمة تماماً، وأصبحت بعض الأنظمة بالغة الضعف، لدرجة أنها تزحف نحو التحالف مع الاحتلال الاسرائيلي والتطبيع مع تل أبيب، مقابل الحصول على ضمانة يُمكن أن تحفظ النظام من الانهيار، ومن أي مدٍ ثوري يمكن أن يجتاح المنطقة في وقت لاحق.
هذه المعطيات التي تؤكد وجود واقع بالغ البؤس في العالم العربي، تؤكد أيضاً أن موجة «الربيع العربي» التي فشلت في تحقيق أهدافها وفشلت في تحقيق التغيير المطلوب والحُلم المنشود للأمة ستتجدد لا محالة، إذ كانت الأوضاع العربية في مطلع العقد الحالي أفضل بكثير مما هي عليه اليوم، ومع ذلك اندلعت شرارة الغضب وثار الفقراء والضعفاء والمهمشون. المشكلة التي بسببها قامت ثورة الربيع العربي ما زالت قائمة، وهذا يعني أن الأنظمة العربية – بعضها أو كلها- لم تفهم حتى الآن أن عليها أن تتغير، أو أنها ستكون آيلة للسقوط لا محالة، ولا يوجد خيار ثالث، كما أن تصعيد القمع والاستبداد، أو حتى الاستمرار به عند مستوياته السابقة، لا يمكن أيضاً أن يكون الضمانة للاستقرار. والتحالف مع اسرائيل أو الزحف نحو تل أبيب لن يكون هو الآخر ضمانة للبقاء والاستمرار.
المنطقة العربية يُعاد تشكيلها، والأنظمة التي تقاوم التغيير سوف تنكسر ولو طال الزمان، والهدوء الحالي ليس معناه بالضرورة أن الموجة قد انتهت، وأن الثورات السابقة كانت سحابة صيف وانتهت، وعلى الأنظمة العربية بكل امتداداتها أن تختارَ التغيير الطوعي قبل أن يصل اليها «التغيير القسري». أما التغيير المطلوب عربياً فهو التحول الديمقراطي الذي يتيح للناس أن يحكموا أنفسهم بحق ويؤمن لهم الحد الأدنى من الحريات. لا يريدُ العرب من أنظمتهم سوى تحول ديمقراطي يتيح المشاركة السياسية ويؤمن الحريات والحقوق للمواطنين، ويضمن المساواة وحُكم القانون والدولة المدنية، وعلى الأنظمة أن تختار الاستجابة لهذه المطالب المشروعة طوعاً وعن طيب نفسٍ أو رضى.. أو تنتظر الموجة المقبلة من الثورات.
كاتب فلسطيني
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron