الوثيقة | مشاهدة الموضوع - لماذا يَزداد حَنين العَديد إلى زُعَماء العُقود الماضِية من العَرب رُغم التحفُّظات على مُمارساتِهم وأنظِمة حُكمِهم؟ وكيف نُفَسِّر الاهتمام بأخبارِهم رُغم مُرور سَنوات على اغْتيالِهم أو وفاتِهم؟ أين يَكمُنُ الخَللُ الحَقيقيّ؟ ومَن المَسؤول؟
تغيير حجم الخط     

لماذا يَزداد حَنين العَديد إلى زُعَماء العُقود الماضِية من العَرب رُغم التحفُّظات على مُمارساتِهم وأنظِمة حُكمِهم؟ وكيف نُفَسِّر الاهتمام بأخبارِهم رُغم مُرور سَنوات على اغْتيالِهم أو وفاتِهم؟ أين يَكمُنُ الخَللُ الحَقيقيّ؟ ومَن المَسؤول؟

مشاركة » الأحد مارس 11, 2018 3:49 pm

1.jpg
 
من الأمور اللافِتة للنَّظر، التي تُوصّلنا إليها من خِلال المُتابعة اليَوميّة، في هذهِ الصَّحيفة “رأي اليوم”، أن التَّقارير الإخباريّة المُتعلِّقة بالزُّعماء العَرب السَّابِقين الذين جَرى الإطاحةُ بِهم، عبر التدخُّلات العَسكريّة الأمريكيّة، أو “ثَورات” شعبيّة، مِثل صدام حسين، ومعمر القذافي، تَحظى بإقبالٍ لافِتٍ من قِبَل شَريحةٍ كبيرةٍ من القُرّاء العَرب، وتَحتل مَكانةً بارِزة في زاوِية الأكثَر قراءَة، خاصَّةً إذا تَعلّق الأمر بِظُروف اغتيالِهم، أو الطَّريقة التي جَرى إعدامهم بها، ومن ثَمَّ دفْنُهم.
نَسوق هذهِ المُقدِّمة بمُناسبة التَّصريح الذي أدْلى بِه السيد محمد سعيد القشاط، السفير الليبي السَّابق لدى المملكة العربيّة السعوديّة حول مَصير جُثمان الرئيس الليبي معمر القذافي بعد مُرور سَبع سنواتٍ تقريبًا على مَقتلِه ونَجْلِه المعتصم، وأبو بكر يونس، وزير الدِّفاع الأسبق، وجَرى التَّمثيل بِجُثمانِه، أي القذافي، بطَريقةٍ دمويّةٍ بَشِعة، خارِجة عن كُل الأعراف الإسلاميّة والأخلاقيّة، ثم جَرى دَفنُهم جميعًا في مَكان وَسط الصَّحراء، ما زال مَجهولاً.
السيد القشاط ربّما أراد أن يُبدِّد الشَّائِعات التي كانت تتردَّد خِلال الفَترة الماضِية، وأفادَت إحداها بأنّه جَرى نَقل جُثمان الزعيم الليبي إلى الدّوحة، والثانية تُؤكِّد أنّه أُلقِي بِه في فُرنٍ للحَديد والصُّلب، وثالِثة تقول أنّه دُفِن في البَحر بالطَّريقةِ نفسِها التي دُفِن فيها الشيح أسامة بن لادن، زعيم تنظيم “القاعِدة” على أيدي قُوّات البحريّة الأمريكيّة.
نَعود إلى ما بَدأنا به هذهِ الافتتاحيّة، ونُحاول شَرح سِرْ الاهتمام الواسِع بهؤلاء القادِة ومآلاتِهم، ونَقول في هذه العُجالة أنّه ربّما يَكمُن بحالةٍ من خَيبة الأمل السَّائِدة حاليًّا لعَدم وجود زَعامات “كاريزميّة” عَربيّة ترتقي إلى مُستوى هؤلاء وأمثالهم الذين تَربّعوا على مَقاعِد الحُكم لسَنوات وتميّزوا بمواقِفهم الوطنيّة المُعادِية للاستعمار ومشاريعِه في المِنطقة، وربّما دَفعوا ثمنها غالِيًا من حياتِهم، وتدمير لبُلدانِهم انتقامًا.
يَصعُب علينا، أو غيرنا، الجَدل في صِحّة اتّهامات مُوجَّهة إلى هؤلاء، بالديكتاتوريّة والقَمع، وهي اتّهامات جَرى اتّخاذها كشِعار، وربّما كغِطاءٍ أيضًا، للإطاحةِ بِهم في “الثّورات” التي تَفجّرت في هذا المِضمار، ووُظِّفَت كمُقدِّمة لتدخّلٍ عسكريٍّ أمريكيّ في بَعض الأحيان، ولكن هل القادة الذين تَسلّموا القِيادة منهم، أو رُغمًا عنهم، وأخذوا مكانهم في سُدَّة الحُكم في الوَقت الرَّاهِن قَدّموا النَّموذج الأفضل على صَعيد الحُريّات والديمقراطيّة، واحترام حُقوق الإنسان؟
لو أخذنا ليبيا والعِراق على سَبيل المِثال، نَجِد أنّهما الدَّولتان الأكثر فَسادًا في المِنطقة في الوَقت الرَّاهِن، وتَعُم الفَوضى أجزاءً كثيرة فيهما، وتَم الكَشف قَبل يومين عن اختفاء عشرة مِليارات دولار من مَجموع 16 مِليارًا من الودائِع التي اسْتَثمرها نِظام العقيد القذافي “الفاسِد” في بلجيكا، وهُناك من يَتحدّث عن ودائِع أُخرى بِعَشرات المِليارات اخْتفت في السَّنوات السِّت الماضِية، بينما الشَّعب الليبي يَتضوّر جُوعًا، ويَعيش مُعظَمه في المَنفى مُهانًا.
المِنطقة العَربيّة، بالإضافة إلى العَديد من الحُروب التي تجتاح أجزاء عديدة منها، ووجود خمس دُول فاشِلة على الأقل، تَعيش مرحلة انتقال دَمويّة نَحو المَجهول، وتُواجِه مشاريع للتَّقسيم والتَّفتيت تتبنّاها، وتُحرِّض عليها، الولايات المتحدة وحُلفاؤها، والأخْطر من ذلك غِياب الزَّعامات الوطنيّة القادِرة على التصدّي لهذهِ المَشاريع، وتَعبئِة الشُّعوب العَربيّة في هذا الصَّدد، مع استثناءاتٍ قَليلة، أو نادِرة جِدًّا.
بسبب هذا التصحّر في الزَّعامات الوطنيّة الجَديدة التي تَحمل المشاريع المُضادّة البَديلة يَظل هُناك حَنين من قِبَل نِسبة لا بأس بِها من الشُّعوب العَربيّة إلى الماضي، إلى بَعض، إن لم يَكُن مُعظَم، الزَّعامات السَّابِقة، رُغم وجود الكثير من التحفُّظات على بَعض مُمارساتِهم، وأجهزَتهِم الأمنيّة، ودوائِر مُحيطة بِهم، في مَيادين الحُريّات وحُقوق الإنسان.
نحن أمام ظاهِرة مُلفِتة تَستحق المَزيد من النِّقاش والدِّراسة بِطريقةٍ علميّة هادِئة ورَزينة، تَحترم كُل الآراء والاجْتهادات.
“رأي اليوم”
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى اراء