الوثيقة | مشاهدة الموضوع - حروب المياه: التهديد والحلول صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

حروب المياه: التهديد والحلول صادق الطائي

مشاركة » الأربعاء يونيو 06, 2018 3:44 am

فجأة ولسبب لا يعلمه أحد تعالى الصراخ والعويل والبكاء على ما سيحدث في العراق، بسبب جفاف النهرين العظيمين الذين منحا البلد اسمه عبر التاريخ، فأصبح بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا)، وتم التعاطي مع الموضوع بالطريقة العراقية، إذ انقسم اللاطمون الباكون الشاتمون إلى فريقين، الأول يشتم تركيا ولا يذكر نصف المشكلة الآخر المتعلق بإيران، ويصور الأمر على أن تركيا هي أساس المشكلة، فقد عملت منذ عقود على مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) حيث بنت سدودا على منابع النهرين، لتوفير المياه والطاقة الكهربائية لتطوير بلادها متسببة في أزمة مياه قاتلة في العراق.
قابلهم بشكل أوتوماتيكي فريق شاتم آخر أشاح بعيدا عن سدود تركيا وتفرغ ليكيل اللوم والشتائم لإيران التي غيرت مجاري الأنهار ومنعت تدفقها باتجاه العراق، ما تسبب في مشكلة انخفاض مناسيب نهر دجلة، وارتفاع نسب الملوحة في البصرة متسببة في تدمير الثروة السمكية والزراعية، وإصابة العراقيين بأزمة مياه غير مسبوقة .
كما قفز إلى المشهد فريق ثالث، ناعق لاطم في كل عزاء، بدون أن يسعى لتقديم أي حلول علمية أو منطقية، لأنه أصلا لا يبحث عن حلول، وقد أصبح هذا التيار متخصصا في تضخيم المشاكل وتحويلها إلى معضلات عصية على الحل، مدعيا أن كل هذه المشاريع والسدود التي بنيت لم يكن ليجرأ أحد على تنفيذها أيام صدام، خوفا من تهديداته العسكرية، علما أن سياسية تركيا المائية منذ الثمانينيات زمن الرئيس التركي توركت أوزال كانت معروفة تجاه العراق واسمها «النفط مقابل المياه»، لكن الصارخين ينسون ذلك ويقولون، إن من جاءوا بعد صدام ضعاف وخونة لذلك حصل ما حصل. ولم يخل الأمر من جانبه الكوميدي أيضا، إذ ظهر رجل دين عرف بفتاواه الغريبة وذكر أن مشكلة جفاف الأنهار، الذي صاحبه انقطاع هطول الامطار لا علاقة له بسدود تركيا ولا إيران، ولا بفساد وضعف الحكومة، السبب الرئيس هو الفساد المنتشر في العراق وانتشار سفور النساء وضعف الالتزام الديني لدى الشباب، واقترح حلولا لها علاقة بهذه الاسباب.
فهل المشكلة في سدود تركيا ومشروع (GAP)؟ أم المشكلة في تحويل مجاري الأنهار ومنع تدفقها من إيران لتغذية نهر دجلة؟ أم ان المشكلة في ضعف وفساد الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 15 عاما، حيث غياب خطط التنمية وعدم الالتفات للمشكلة إلا بعد وقوعها؟ علما أن سدود تركيا التابعة لمشروع (GAP) ومشاريع إيران الاروائية لم تكن مشاريع سرية، ولا منشآت يتم تنفيذها تحت الارض، إنما هي مشاريع طويلة المدى تم الإعلان عنها منذ عقود من السنوات.
كما تجدر الإشارة إلى زاوية أخرى اختفت وسط صراخ الباكين هذه الأيام، فمنذ سنة كانت التقارير المحلية والدولية ترعب المتلقي العراقي، بما تتحدث به من أخبار عن أخطار متوقعة من قيام «داعش» بتفجير سد الموصل الذي سيتسبب في (تسونامي) سيغرق المساحات الشاسعة الممتدة من الموصل إلى بغداد، وهنا لابد من ان نتساءل، إذا كان سد الموصل وسد حديثة وسد الثرثار والحبانية، التي كانت تحت سيطرة «داعش» التي كانت تهددنا كل يوم بإغراقنا بفتحها، أو تفجيرها تحبس كل هذه الكميات من المياه، فلماذا إذن كل هذا البكاء من الجفاف ونحن نمتلك هذا الخزين الهائل من المياه؟
البرلمان العراقي عقد جلسة طارئة، وقال النائب عن ائتلاف الوطنية عبد الكريم عبطان في تصريح صحافي، إن «اجتماع مجلس النواب مع الوزارات الثلاث المتمثلة بوزير الزراعة فلاح الزيدان، ووزير الموارد المائية حسن الجنابي، ووفد من وزارة الخارجية، انتهى بإرسال توصيات إلى الحكومة الاتحادية والوزارات المختصة بشأن أزمة الطاقة والمياه». واعتبر عبطان أن «إجراءات الوزارة والحكومة ليست بالمستوى المطلوب»، مؤكدا أن «حرف مجاري الانهار، مثل أنهار الكرخة والكارون وديالى والزاب الصغير من قبل إيران، ومنع وصول مياهها إلى العراق تدخل ضمن باب الجرائم الدولية».
من جانبه أكد نائب رئيس البرلمان العراقي الشيخ همام حمودي في تصريح صحافي يوم الاحد 3 يونيو الجاري قال فيه إن «البرلمان العراقي سيرسل رسالة عاجلة لنظيره التركي يدعوه لتأجيل ملء سد اليسو لثلاثة أشهر، وتشكيل وفد تفاوضي برلماني وزاري لزيارة تركيا والاتفاق على الموضوع ذاته، إضافة لتفعيل لجنة الصداقة البرلمانية العراقية – التركية وعلى أعلى الأطر والمستويات».
وعند هذا المستوى من التوتر يتحدث الكثيرون عن غياب دور الأمم المتحدة عن المشكلة الحالية، وهذه أيضا باتت ظاهرة عراقية بامتياز، إذ تجد الشارع العراقي مع كل أزمة تتعالى فيه الأصوات مطالبة المنظمة الاممية بإيجاد حل لها، وهنا لابد من توضيح علمي للامر، ابتداءً لا يوجد حتى الان قانون جامع مانع لحل أزمات صراعات المياه، لكن هنالك بالتأكيد العديد من الاتفاقات الدولية المنظمة للأمر، ويمكن للدول الاتفاق على أسس لتقاسم المياه الدولية المشتركة بينها، من خلال عقد معاهدات أو اتفاقيات أو بروتوكولات توضح فيها الحقوق المائية لكل دولة، فضلاً عن آلية لتسوية النزاعات المختلفة التي قد تنشأ عند تطبيقها .
ويذكر الدكتور علاء عبد الحسن العنزي استاذ القانون الدولي، في دراسة له عن الصراعات الدولية حول المياه، أن دول العالم المتشاطئة عقدت أكثر من (300) معاهدة واتفاقية بينها، وتوصلت الأمم المتحدة إلى صياغة اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية عام 1997، ورغم ذلك لم تتوصل الأمم المتحدة لحد الآن إلى صياغة معاهدة أو اتفاق محدد وملزم مبني على قواعد وأسس ثابتة لتقسيم المياه الدولية المشتركة بين الدول المتشاطئة.
لكن المعاهدات الدولية نصت على قاعدة عامة هي «يتعين على دول الحوض النهري الامتناع عن القيام بأي إنشاءات هندسية على المجرى المائي، من شأنها الإضرار بالحصص المائية للدول المتشاطئة الأخرى، إلاّ بعد مشاورتها والحصول على موافقتها، مع إطلاعها على الخطط والوثائق المزمع تنفيذها، لتفادي حصول توتر أو نزاع محتمل، وتشكيل لجان مشتركة تتولى الاشراف على إدارة المشروعات المشتركة في المياه الدولية». لذلك سعى العراق جاهدا منذ اكثر من 30 عاما عندما أنشأ سد حديثة، على إبرام اتفاقات مع دول حوض الفرات (تركيا وسوريا ) لضمان عقد اتفاقية طويلة المدى بشان تقسيم مياه الأنهر المشتركة، بسبب معاناته من انخفاض مناسيب المياه الواصلة إلى أراضيه في نهر الفرات، حيث بلغ الانخفاض من (16) مليار متر مكعب سنوياً إلى (12) مليار متر مكعب سنوياً، بسبب بناء تركيا سدودا وبحيرات من جهة، وبسبب زيادة سوريا لطاقتها التخزينية إلى (14) مليار متر مكعب سنوياً من جهة أخرى. وقد تم حينها الاتفاق بين العراق وتركيا على زيادة الاطلاقات المائية لنهر الفرات بمقدار (200) متر مكعب في الثانية تمر عبر سوريا إلى العراق بهدف تحسين توليد الطاقة الكهربائية في سد حديثة.
كما تم الاتفاق على تفعيل اللجنة الفنية للمياه الدولية المشتركة للتوصل إلى قسمة عادلة للمياه بين الدول الثلاث (العراق وتركيا وسوريا)، والاتفاق على أهمية تبادل المعلومات الهيدرولوجية والفنية وخطط التشكيل للمشاريع التخزينية والاستراتيجيات المستقبلية. أما إيران فقد تباحث العراق معها بشأن المياه المشتركة بين الدولتين، خاصة ما يتعلق بالأنهر التي تقع على الحدود وهي: سيروان، والوند، ومندلي، والكرخة ونهر الكارون، وتم الاتفاق على إيجاد الوسائل الكفيلة للإفادة من مياهها.
إن المحصلة التي نخرج بها من هذه الأزمة هي أن البكاء والصراخ لن يحل المشكلة، وأن الحل يكمن في عقد اتفاقات واضحة وعادلة مع دول الاقليم (تركيا، ايران، سوريا) نضمن بها حقوقنا المائية، والعراق يملك الكثير من الاوراق الاقتصادية والسياسية التي يمكن ان يلعبها في هذه الأزمة، كما يجب الاشتغال بشكل حقيقي على تنمية مشاريع الري وتطوير طرق الزراعة الاقتصادية القائمة على الرش والري بالتنقيط، والسعي الجاد للعمل على تطوير تحلية مياه الخليج، وها هي دول الخليج توفر كل احتياجاتها من المياه اعتمادا على تحلية مياه الخليج والمياه الجوفية، كما يجب العمل على مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها في الري والتأكيد على نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك المائي لدى المواطن، فبدون هذه الخطوات لن تنفعنا كل الدموع التي نذرفها على جفاف دجلة الخير.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron