الوثيقة | مشاهدة الموضوع - القُوّات التركيّة تتَّجِه إلى شمال العِراق بعد “تأمين” منبج باتِّفاقٍ أمريكيٍّ في شمال سورية لمُطارَدة حِزب العُمّال الكُردستاني.. ما هِي مَخاطِر هذا التَّحرُّك؟ وهَل من الحِكمَة تَوقيتُه مع تَجفيف مَصادِر مِياه نهر دِجلة وتعطيش ملايين العِراقيين؟
تغيير حجم الخط     

القُوّات التركيّة تتَّجِه إلى شمال العِراق بعد “تأمين” منبج باتِّفاقٍ أمريكيٍّ في شمال سورية لمُطارَدة حِزب العُمّال الكُردستاني.. ما هِي مَخاطِر هذا التَّحرُّك؟ وهَل من الحِكمَة تَوقيتُه مع تَجفيف مَصادِر مِياه نهر دِجلة وتعطيش ملايين العِراقيين؟

مشاركة » السبت يونيو 09, 2018 5:40 pm

9.jpg
 
كان مُؤلِمًا مَنظَر بعض الأشِقّاء العِراقيين وهم يَعبُرون نهر دِجلة سَيرًا على الأقدام بسبب انخفاض مَنسوب المِياه بِشَكلٍ غير مسبوق بسبب بِدء الحُكومة التركيّة تنفيذ قرار مَلْء سد “اليسو” الذي أُنْشِئ على النَّهر، وقَلَّص كميٍة المِياه المُتَدفِّقة فيه بِنِسبَة 50 بالمِئة، أي من ثمانية مِليارات متر مُكعَّب سَنويًّا إلى أقل من ثَلاثَة مِليارات هذا العام بالمُقارنَة مع العام الماضي.
بعد تأمين الحُكومة التُّركيّة مِنطَقة شمال شرق سورية، والتَّوصُّل إلى اتِّفاقٍ مع وزير الدِّفاع الأمريكيّ جيم ماتيس حول حل الأزمة بين البَلدين حول مدينة منبج يقضي بتسيير دوريّاتٍ تُركيّةً أمريكيّةً مُشتَركة، بدأت هذه الحُكومة التَّركيز على شِمال العِراق، وتَحشيد القُوّات هُناك استعدادًا لهُجومٍ وَشيكٍ على ما تَقول السُّلطات التركيّة أنّها القواعِد الخَلفيّة لحِزب العُمٍال الكُردستاني الانفصالي في سنجار وقنديل وحتى مخمور جنوب الموصل، مِثلَما هَدَّد الرئيس رجب طيب أردوغان في مُقابَلةٍ تلفزيونيّةٍ جَرى بثّها يوم الجمعة.
التَّوغُّل في شمال العِراق، وتخفيض كميّات المِياه في نهر دجلة بطَريقةٍ دراماتيكيّة أمْران من الصَّعب على الحُكومة والشَّعب العِراقي قُبولَهما مَعًا، وبَلْ على العَكس من ذلك تمامًا، أي تأجيج مَشاعِر العَداء ضِد تركيا ورئيسها، ولذلك أحْسَن الرئيس أردوغان صُنعًا عندما أصدر تعليماتِه بوَقف عَمليّة مَلء خزّان سد “اليسو” بالمِياه، بِما يَسمح بزِيادَة كميّات المِياه مُجدَّدًا في نَهر دِجلة.
تَغلْغُل قُوّات تركيّة في شمال العِراق وفي عُمق 30 كيلومترًا حتى الآن، بِهَدَف وقف خلايا تابِعة لحزب العُمّال الكُردستاني يُشَكِّل دون شَك انتهاكًا للسِّيادة العِراقيّة، ويتم دون أيِّ غِطاءٍ قانونيٍّ من السُّلطة المَركزيّة في بغداد.
في زَمن الرئيس الراحل صدام حسين كانت هُناك معاهدة تُركيّة عراقيّة تَسمح للقُوّات التركيّة بهذا التَّغَلغُل دون أي قيود للقَضاء على خَطر الحِزب المَذكور على تركيا، ولكن هذه المُعاهَدة على حد علمنا لم يتم تجديدها، مُضافًا إلى ذلك أنّ العلاقات التركيّة العِراقيّة في زمن قبل الاحتلال الأمريكي، كانت في أوج قُوّتها، وعلى أساس التِقاء المَصالِح على أرضيّة مُواجَهة الحركات الانفصاليّة في البَلدين.
لم يَصدُر حتى كِتابَة هذه السُّطور أي بيان أو تصريح رسمي من حُكومة بغداد المَركزيّة تُجاه هذه التَّهديدات التركيّة، ربّما لضَعف حُكومَة الرئيس حيدر العبادي، وانشغالِها في مُتابَعة نتائِج الانتخابات البَرلمانيّة الأخيرة التي حلَّت فيها كُتلَة العبادي ثانِيًا بعد كُتلَة سائِرون بزعامَة السيد مقتدى الصدر.
ليس من الحِكمَة السِّياسيّة أن يَخسَر الرئيس أردوغان الحُكومَتين السوريّة والعِراقيّة في الوَقتِ نفسه، خاصَّةً أنّه يَقِف على مسافة أُسبوعَين من انتخاباتٍ رئاسيّةٍ وبرلمانيّةٍ مصيريّةٍ بالنِّسبةِ إلى تركيا، وإليه شَخصيًّا وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعَّمه، ولذلك فإنّ الحد الأدنى الذي يجب عليه فعله أن لا يكون قرار عودة المِياه إلى نهر دِجلة مَحصورًا في الأيّام العَشرةِ الأخيرة من شهر رمضان فقط، وأن يتم تمديده في الأُطُر المَعقولة، وبِما يَخدِم مَصالِح البَلدين، لأنّ حِرمان قِطاعٍ عَريضٍ من الشعب العِراقي لمِياه هذا النهر، الذي يُشَكِّل شِريان حياة لملايين من المُزارِعين من أبنائِه يُشَكِّل كارثةً إنسانيّةً، إلى جانب كَونِه كارثة سياسيّة أيضًا تَنعَكِس سَلبًا على العلاقة بين البَلدين الجارَين في وَقتٍ حسَّاسٍ جِدًّا.
تركيا التي تُواجِه أخطارًا عديدة هذه الأيّام من عِدَّة اتِّجاهات تحتاج إلى أصدقاء، خاصَّةً في دُوَل الجِوار السُّوري والعِراقي، وأبرز عُنوان في هذهِ الحالة هو احترام سِيادة البَلدين على أراضيهِما، وتَجنُّب أي خَطواتٍ من شأنِها التأثير سَلبًا على حِصصهِما من المِياه في نَهريّ دِجلة والفُرات، أو هكذا نعتقد، كطَريقٍ وَحيدٍ لتَجنُّب التَّصعيد وتَعكير مِياه علاقات حُسن الجِوار التَّاريخيّة.
“رأي اليوم”
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى اراء