الوثيقة | مشاهدة الموضوع - الهيكل الطبقي والتناقضات الثقافية في العراق نجم الدراجي
تغيير حجم الخط     

الهيكل الطبقي والتناقضات الثقافية في العراق نجم الدراجي

مشاركة » الخميس يونيو 21, 2018 1:14 am

7.jpg
 
في منذ العهد العثماني والعراق يتكون طبقات اجتماعية حافظت على وجودها واستقرارها لعقود عديدة من الزمن، ومنها الطبقة الوسطى التي شهدت نمواً واتساعاً، وتميزت بأنها نقطة التوازن في التراتب الاجتماعي .
الهيكل الطبقي يعبر عن هوية المجتمع وواقعه، وقد رافقته سلبيات عديدة منها ( النظرة الفوقية، والدونية، والتعسف ). ويشار إلى أن تهديد الوجود الذي تعرضت له الطبقتان ( البرجوازية والارستقراطية ) تمثل بالسخط الشعبي والحركات اليسارية، وعملت أنظمة الانقلابات العسكرية على إنهاء البرجوازية من الواقع، أما الارستقراطية فقد أصابها التآكل بسبب ظهور حالة «تجار الحروب»، وفي مطلع عقد التسعينيات غابت الطبقة الوسطى من الواقع الاجتماعي.
الدهشة والغرابة بأن المجتمع العراقي لم يدخل «مختبرات» علم الاجتماع من قبل باحثين عراقيين لتحليل طبقاته وخصائصه، باستثناء أ. د.علي الوردي و الفلسطيني أ. د. حنا بطاطو، أما الآخرون فكانوا يتجنبون الاقتراب من مراكز القوى والهيمنة المحلية حتى وصل الأمر إلى عدم الإشارة مثلاً إلى أسماء الإقطاعيين وزعماء القبائل بشكل مباشر. وأعتقد بأن التعقيدات التي رافقت تطور المجتمع، والإرث التاريخي المثقل بالتناقضات والتباين الطبقي، وربما التشويه الطبقي! حالت دون المساس بأوتار الخطر الذي استشعر به الباحثون.
جغرافيا العراق تتشكل من ( جبال، وديان، سهول، صحارى، أهوار )، وفيها طيف ملون، ولكل مساحة لهجة محلية أو لهجات متعددة كلهجة الموصل، والغربية، والجنوب، وسكان الأهوار، ولبعض المناطق لغات كالكردية والتركمانية والأرمنية وغيرها … وصعوبة التواصل بين المجتمعات أوجدت حالة من عدم الفهم والإدراك المشترك للخصائص، وربما قادت إلى العزلة.
لم يتعرض أحد من الباحثين إلى دراسة ألوان الطيف العراقي دراسة عملية تطبيقية لفهم أنماط الحياة الاجتماعية، مثلما فعلت المستشرقة البريطانية (غيرترود بيل) والباحثة الأمريكية ( إليزابيث فيرنيا )، حيث سجلا يوميات الواقع العراقي من دون تحفظ أو خوف وبأسلوب تحليلي ميداني. وأعتقد بأن (المس بيل) استفاضت أكثر بسبب موقعها الرسمي في العراق حيث شغلت منصب مستشارة المندوب السامي البريطاني وهي عالمة آثار وعرابة التأسيس أيضا.
إلى عهد قريب لم يكن المجتمع اندماجيا عدا العلاقات الناتجة عن الزمالات في الجيش أو الجامعات المحدودة كما في جامعة الموصل في الشمال وجامعة البصرة في الجنوب، وكذلك اندماج لشخصيات مثل موظفي الدولة أثناء تنقلاتهم الوظيفية بين المدن، ربما عدا بغداد فإنها متعددة الأطياف لكونها مركز القرار الحكومي والتجاري والعلمي، وفيها أعلى نسبة من الطبقة الوسطى ومن بعدها الموصل ثم البصرة.
من الأمور التي يتجنبها الباحثون هي مسألة الصراع بين الحضارة والبداوة، وحتى إذا مروا بجانب حدودها المحظورة، نلاحظهم يتكلمون عن علاقة ودية توافقية، والعراق موطن الحضارات القديمة، ومن ثم الحضارة العباسية، ولكن الذي يجب أن لا ينكر هو تعرضه على مر التاريخ الحديث لحالة البداوة التي قدمت إليه من الجزيرة العربية على شكل موجات لكونه يقع على حافتها، ونتج عنها نفور وصراع، فالقيم البدوية تحاول أن تفرض ما تعتقده على المدنية و «التبغدد»، وخيمة البدوي حاضرة حتى في تفكير القصر العربي، وما أن يعيش الرجل البدوي في المدينة حتى تتولد لديه «ازدواجية الشخصية» فهو يفكر بطريقة ويتصرف بأخرى، وتعاظم التناقض بظهور موجات الهجرة من الريف إلى المدن الكبرى، ونزوح سكان الأهوار إلى المدن القريبة جغرافياً بسبب تجفيف المسطحات المائية الشاسعة مما زاد من حالة التناقض .
من التناقضات الغريبة أيضاً محاولات توطين الغجر! والمعروف بأنهم يعشقون حياة التنقل والترحال، ولا ينتمون إلى المدنية، وغير اندماجيين .
كذلك الدراما العراقية لم تنجح في تجسيد ملامح التنوع العراقي، وكانت تخضع لاعتبارات تمنعها من الدخول عبر بوابات المجتمع الحقيقية. أما المسرح والمتمثل بمسرح الراحل الكبير يوسف العاني فكان مسرحاً للنخبة والوسط الثقافي، وبقية الفعاليات كانت إما «مؤدلجة» أو تجارية.، وبرزت ثقافة خاطئة، فمثلاً تم التثقيف بأن رقص وأغاني الغجر ينحصر في «بنات الريف»، وبطبيعة الحال فإن مجتمع الحضارة لن يستطيع أن يميز ذلك، وكذلك بيئة الريف عاجزة عن إيضاح الخطأ «المتعمد»، وأنسحب ذلك على الكثير من الخصائص، وأعتقد بأنها إفرازات التناقضات الثقافية.
المجتمع العراقي في حاجة إلى إعادة دراسة خصائصه بشجاعة وحيادية ليتسنى التعرف عليه بوضوح، ويخطو الفرد نحو الحرية الفكرية، وينطلق منها نحو التكامل المجتمعي بدلاً من حالة التفكير الجمعي .
هل سيعاد تشكيل طبقات المجتمع العراقي من جديد ؟
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron