الوثيقة | مشاهدة الموضوع - فتاة الكهف.. أصول غير بشرية تكشف تاريخ البشر!
تغيير حجم الخط     

فتاة الكهف.. أصول غير بشرية تكشف تاريخ البشر!

مشاركة » الاثنين سبتمبر 03, 2018 1:47 pm

42.jpg
 
في صباحٍ شتويٍ بارد، وبخطوات متحمسة وسريعة، تقافزت أقدام بينجامين فيرنوت، وهو باحث ثلاثيني العمر، هادئ الطباع، على درجات سلّم معهد ماكس بلانك للأنثربولوجيا التطورية1، والموجود بمدينة لايبتزغ الألمانية، ثاني أكبر مدن ولاية ساكسونيا في شرق ألمانيا، والتي كانت على مدى التاريخ، إلى جانب فرانكفورت، مركزًا مهمًا لطباعة الكتب، ليصل بعد مجموعة من المناورات في الأروقة الواسعة للمركز إلى غرفة تضم فريق بحثي يعمل – منذ ست سنوات - على عيّنات بدائية ذات طول صغير جدًا لا تتخطى حاجز السنتيمترات الخمسة، فيقول بصوت متهدج ومبتهج، في آن، أن النتائج قد تأكدت للمرة السادسة، "ديني" هجينة!


فتيات كهف دينيسوفا
43.jpg
 

في تلك النقطة، ولفهم جذور ذلك الكشف الذي هز كيان الوسط البحثي الخاص بدراسة الإنسان البدائي خلال الشهر الفائت، دعنا نذهب بالزمن إلى شهر مارس من العام 2010، حينما أعلن فريق بحثي من نفس المعهد عن اكتشاف2 جزء من عظمة الإصبع الخاصة بأنثى شابة عاشت على الأرض قبل حوالي 41،000 سنة، لكنها كانت أنثى مميزة، لأن تحليل الحمض النووي الخاص بها أثبت أنها لا تنتمي لأي نوع آخر نعرفه من أفراد جنس الهومو، لذلك سميت باسم خاص بالكهف الذي وجدت فيه، سميت "إنسان دينيسوفان".





أما الكشف الجديد3، فقد عثر عليه في العام 2012، ضمن مجموعة كبيرة من العظام المكتشفة من نفس الكهف، وبعد التحليل والبحث عن تسلسل الحمض النووي الخاص بها، تأكد أنه جزء من عظام فتاة مراهقة يدور عمرها حول 13 عامًا، عاشت قبل 90 ألف سنة من الآن في منطقة ما حول كهف دينيسوفا، الموجود في جبال ألتاي بسيبيريا، ويعد هذا الكهف كنزًا لمتخصصي دراسة تاريخ أسلاف البشر، حيث سكنته أجناس متعددة من البشر، منها الإنسان المعاصر، أو الإنسان العاقل، الذي نعرفه جميعًا باسم هومو سابين Homo Sapiens.



في حواره مع محرر ميدان، يقول بينجامين فيرنوت، الباحث بمعهد ماكس بلانك للأنثربولوجيا التطورية، والمؤلف المشارك في تلك الدراسة الجديدة الهامة والمنشورة4 قبل عدة أيام فقط في دورية "نيتشر" الشهيرة، يقول فيرنوت "للوهلة الأولى، لم نصدق النتائج"، ثم يضيف "كنا نعلم بالفعل أن إنسان نياندرتال وإنسان دينيسوفان قد تزاوجا في مرحلة ما لأن عيّنات إنسان دينيسوفان التي حصل عليها الباحثون سابقًا كانت تحتوي على أجزاء نياندرتالية "، ويستمر فيرنوت في شرح سبب المفاجأة قائلًا "لكن للعثور على شخص هجين بنسبة 50/50 من نوعي الدينوسوفان والنياندرتال، فهذا تقريبًا مثل العثور على إبرة في كومة القش".



ويتعرف الباحثون إلى تلك النسبة التي تقترب من 50/50 دينيسوفان إلى نياندرتال في حالات كتلك عبر فحص تركيب الحمض النووي الميتوكونديري الخاص بالعيّنة، وهو حمض نووي منفصل عن ذلك الذي يتواجد في أنوية خلايا أجسامنا، ونأخذه مباشرة من الأم، هنا تعرّف باحثو الدراسة على الجانب النياندرتالي لـ "ديني"، كمّا يسميها الباحثون. بعد ذلك، وبفحص الحمض النووي الخاص بالنواة تبيّن أن الأب من النوع دينيسوفان، ديني هي إذن هجين من نوعين، وهي الجيل الأول لهذا النوع من الهجين لأنها تحتوي على نسب متساوية من جينات الأب والأم، بينما كانا من نوعين منفصلين حسب مقارنة تسلسل الحمض النووي الخاص بكل منهما.


ما هو جنس الهومو؟

"من بين أكثر من 2000 عظمة أخرى في نفس الكيس، والتي ترجع كلها إلى ثدييات أخرى (وحيد القرن والضباع ، إلخ)، وجدنا قطعة عظم صغيرة واحدة لـ ديني" يستمر فيرنوت في حواره مع ميدان مضيفًا "لقد كنّا حقًا محظوظين للحصول عليها"، في الحقيقة كانت عيّنة ديني مفاجأة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لقد دخلت لأرفف العينات من أجل الفحص كأية قطعة أخرى مُشتبه بها، وحينما جاء وقت فحصها لم تكن النتائج الأولى متوقعة أبدًا، لهذا السبب قررت إدارة المعامل إعادة فحص ست عيّنات أخرى حتّى تأكدت النتائج.



جنس الهومو5 يعني –ببساطة- الجنس الإنساني، وكلمة هومو بالأساس تعني "إنسان" باللغة اللاتينية، لم يتبق من هذا الجنس سوى نوع الإنسان المعاصر، أما باقي أنواع هذا الجنس فقد انقرضت لأسباب نحاول تبيّنها إلى الآن، ويقدر عمر هذا الجنس بحوالي 2.3 إلى 2.4 مليون سنة مع بداية ظهور ما نسميه بالإنسان الماهر، تميز جنس الهومو بعدة صفات، فمثلًا كان حجم جمجمته كبير، وبذلك يشمل حيزا كبيرا للمخ، كذلك فإن هذا الجنس قد تمكن من المشي على اثنين من أطرافه، وكانت تلك هي أهم صفاته التي سنتطرق لها بعد قليل، كذلك تمكن من بناء أدوات معقدة، واستطاع التواصل بشكل تطور بوضوح وصولًا للإنسان المعاصر، أما كل من إنسان نياندرتال وإنسان دينيسوفان فهما أقرب أقربائنا – كبشر معاصرين – من جنس الهومو، وقد عاشا معًا حتى قبل 40000 عام، وسكنت مجموعتيهما في أوراسيا (أوروبا وآسيا) النياندرتاليون كانوا في الغرب ودينيسوفان في الشرق.





أما ديني (فتاة الكهف) فكانت الجيل الأول الذي يمثل هجينًا منهما، أم نياندرتالية وأب دينيسوفان، ويعطينا هذا فكرة جيدة، وجديدة تمامًا، عن أحوال البشر البدائيين، وتحركاتهم على كوكب الأرض، "ترتبط والدة (ديني) النياندرتالية ارتباطا وثيقا بالنياندرتاليين الذين كانوا يعيشون في الغرب - كرواتيا وبلجيكا - مقارنة بغيرهم من النياندرتاليين الآخرين الذين كانوا يعيشون في نفس الكهف بالضبط" يقول فيرنوت في حواره مع ميدان أن "هذا يخبرنا بأنهم قد يكونون قد تحركوا أكثر مما اعتقدنا أنهم فعلوا، لكنه ما زال من المبكر قليلاً معرفة حجم التحرك، ما زلنا نعمل على ذلك"



وما نعرفه إلى الآن، عبر الدلائل من الحفريات وفحص تسلسل الحمض النووي الخاص ببقايا6 أكثر من 20 إنسان بدائي، هو أن البشر بصورتهم المعاصرة قد بدأت أسلافهم بالظهور في قارة أفريقيا، ثم بعد ذلك كانت هناك رحلتان، بدأتا قبل حوالي 100 ألف سنة من الآن، الأولى تمددت شرقًا عبر مصر إلى آسيا، ثم تفرعت جنوبًا إلى الهند وإندونيسيا ثم أستراليا، وشمالًا عبر روسيا ثم الأميركتين من ألاسكا، وانتشرت فيهما حتى قبل 4500 سنة سابقة، أما الرحلة الثانية فقد انطلقت غربًا إلى أوروبا، وخلال تلك الفترة استعمر جنس الإنسان الكوكب كاملًا.
44.jpg
 


"ديني" تحكي لنا

تمثل ديني كشفًا كبيرًا لهذا السبب، ليس فقط لأنها نتجت من تزاوج نوعين من جنس الهومو، فنحن نعرف بالفعل أنه في عصور ما قبل التاريخ، تزاوج أعضاء من جنسنا أنفسهم إنسان نياندرتال ودينيسوفان، وأن كل من النياندرتال والدينيسوفان قد تزاوجا معًا، لكن الحصول على دليل تجريبي يمثل الجيل الأول الناتج من هذا التزاوج، وهي المرة الأولى في تاريخنا، لهو – بتعبير فيرنوت في حديثه مع ميدان – "الجوهرة الفريدة المجنونة!"، كذلك فإن هذا الكشف قد يعدل من أفكارنا تجاه هذا النوع من التزاوج، حيث يضيف فيرنوت: "لقد افترضنا أن هذا التزاوج كان حدثًا نادرًا جدًا في تاريخ هذه المجموعات من البشر البدائيين، لكن يبدو أنه ليس كذلك"



هذا التزاوج يطرح بدوره أسئلة جديدة عن تاريخ أسلافنا، على سبيل المثال: إذا كان إنسان نياندرتال ودينيسوفان قد تزاوجا بمعدلات أكبر من توقعاتنا، فلماذا بقت كل جماعة منهم منفصلة جينيًا عن الأخرى مسافة عشرات الآلاف من السنين؟ قد يكون السبب7 هنا هو أن مجموعتي كل منهما قد انفصلتا جغرافيًا بالفعل، كما تحدثنا منذ قليل، لكن أطرافهما الخارجية قد التقت في المنتصف، وبجانب الهجرات من كل نوع منهما في منطقة الآخر، حدثت حالات التزاوج، يميل البعض لتقبل تلك الفكرة الأخيرة خاصة أن "تحليلات الجينوم قد كشفت أيضًا أن والد ديني من الدنيسوفان كان لديه سلف نياندرتالي واحد على الأقل في شجرة عائلته"، كما قال فيرنوت في حديثه معنا.





لكن ما يمكن أن نؤكده، في تلك الجوقة من الاحتمالات الواسعة، هو أن معرفتنا بتاريخ أسلاف البشر تتقدم يومًا بعد يوم، خاصة في السنوات الخمسين الأخيرة، بعدما استطعنا تطوير كم هائل من الأدوات الدقيقة التي تمكننا من كشف واستخراج وفحص وتحليل التركيب الجزيئي الخاص بعيّنات أسلاف البشر بصورة لم يتوقع متخصص في هذا الفرع المعقد أن تحدث أبدًا، لهذا السبب تتابع الدراسات من هذا النوع كزخّات المطر، في شهر أغسطس 2018 فقط يمكن أن تتأمل، مثلًا، تلك الدراسة الأخيرة8 التي استنتجت أن النياندرتال كانوا أول من أشعل النار حينما اكتشف الباحثون مجموعة من الأدوات التي استخدموها في صناعة نيرانهم الخاصة والتحكم في توقيت إشعالها، أو الأخرى التي تؤكد9 أنهم كانوا كذلك أوّل فناني الأرض بعد كشف فاجأ الوسط العلمي في ثلاثة كهوف أسبانية لتركيبة مجردة من الأشكال الهندسية بالإضافة إلى محاولات بدائية لرسم بعض الحيوانات، وهذا هو فقط غيض من فيض أغسطس!


تاريخ موجز للبحث عن ذواتنا

لكن على الرغم من ذلك، فما نعرفه إلى الآن قليل جدًا مقارنة بما نحتاج أن نعرف عن تاريخنا، لكن ما تؤكده الأبحاث هو أن سلوك الصورة المعاصرة منّ البشر لما يظهر فجأة، بل تطور عبر الزمن، فمثلًا10 نتصوّر أن نقطة الانطلاق الأولى ناحيتنا هو قدرة أسلافنا على السير على طرفين فقط، ما أعطاهم الفرصة لاستخدام الطرفين الإضافيين، بذلك ستكون الخطوة المتوقعة القادمة هي أن تستخدمهما لفعل شيء، للتحطيم مثلًا، هنا نقول أنك – الآن – تستطيع أن تستخدم الأدوات، وهو ما سمح لأسلافنا بتطوير القدرة على استخدام الأصابع بشكل أكثر تحررًا وقوّة، ينطلق ذلك كله عبر مجموعة جنس الهومو بالتدريج، فتظهر القدرة على أكل اللحوم، بعدها سيكون من المتوقع أن يتأثر الدماغ بسبب الحمية الجديدة، فيزداد حجمًا، من هنا تظهر القدرة على التفاعل الأكثر ذكاءً، والذي بدأ بصورة اجتماعية متدرجة مرورًا بدفن الموتى ووضع الورود على قبورهم، وصولًا إلى الفن، في كل فقرة من فقرات "تاريخنا" يظهر شيئًا جديدًا مفيدًا، لكنه يأتي مع الكثير من الأسرار والأسئلة الغامضة.



"لن نتوقف عن البحث" بتلك الجملة ينهي فيرنوت حواره مع ميدان بعد أن وضح أن الكشف الجديد، وإن كان لا يعطينا معلومات أكثر من تلك التي توقّعناها سابقًا بالفعل لكنه يضع دليلًا تجريبيًا إضافيًا للوحة التأكيدات التي حصلنا عليها إلى الآن. يمكّننا العلم يومًا بعد يوم من كشف أسرار تاريخنا الموغل في القدم، وهو يفعل ذلك بقوة، وسرعة، ودقة لم نرها من قبل، إنه إلى الآن أعظم أدواتنا لكشف تاريخنا ذاته، بالضبط كما كانت قدرتنا على صناعة السكاكين من قِطع الصخور، أو اكتشافنا للنار، ثورة في تاريخ جنسنا.



نشأ الكون –كما نتصور– من انفجار كبير حدث قبل ١٣.٨ مليار سنة، تطور ببطء وانخفضت درجات حرارته مع تمدد الزمكان حتّى ظهرت المجرات الأولى، بعد ذلك سمحت الظروف للكواكب أن تتكون وتدور حول النجوم، ثم قبل 4.1 مليار سنة ظهرت صور الحياة الأولى على كوكبنا بشكل لازال يدعونا للتساؤل، تلك الحياة قد تطورت وتنوعت بصورة بديعة لنصل إلى الإنسان المعاصر فقط قبل ٣٠٠ ألف سنة تقريبا، ثم يظهر العلم بصورته الحديثة قبل عدة مئات من السنوات فقط، فنستخدمه لسبر أغوار كل ذلك التاريخ الكوني المهيب، قال كارل ساجان ذات مرة: "نحن الكون وهو يحاول استكشاف ذاته"
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المنوعات