الوثيقة | مشاهدة الموضوع - انتفاضة البصرة… بين الانتقام والبحث عن حل صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

انتفاضة البصرة… بين الانتقام والبحث عن حل صادق الطائي

مشاركة » الثلاثاء سبتمبر 11, 2018 11:26 pm

أقوال مأثورة تحاصرني أنى وليت وجهي وأنا أحاول الكتابة عن جرح البصرة النازف، عروس الخليج وأقدم مدنه تاريخيا، المدينة التي تغير تأريخها الحديث فلم تلحق بجاراتها، وبقيت جزءا من عراقها التاريخي، ولم تستطع منه فكاكا وكيف يمكنها ان تقدر وهي أم العراق. البصرة مدينة تغفو على أكبر بحيرة بترول في العالم، وبإمكانكم ان تسألوا كل خبراء البترول في العالم، سيقولون لكم إن آخر قطرة نفط سيستخرجها العالم ستكون من آبار هذه المدينة المنكوبة.
البصرة التي طالما عرفت بـ(فينيسيا الخليج) نتيجة كثرة القنوات المائية التي تخترق المدينة، التي باتت اليوم مدينة يقتلها العطش، فهل رأيتم فانتازيا أكثر من ذلك؟ المدينة التي هرولت الشركات العالمية الكبرى للاستثمار في حقولها النفطية يموت اليوم شبابها نتيجة البطالة وغياب أبسط الخدمات، التي يمكن أن تقدمها أسوأ الحكومات في العالم مثل، الماء الصالح للشرب والكهرباء والصحة والتعليم والأمن، لكن كل ذلك مفقود في مدينة الذهب الأسود، التي تدر على خزينة العراق سنويا اكثر من 90% من مدخولاته.
لكن السؤال الذي يواجه الشارع البصري الذي خرج في انتفاضة عفوية منذ أكثر من شهرين هو؛ انتم تتهمون حكومة بغداد والحكومة المحلية بالتقصير في أداء واجباتها تجاهكم، وتتهمون جميع أحزاب العملية السياسية وبشكل خاص الأحزاب الإسلامية منها بالفساد ونهب ثروات البلد، لكن أليس أنتم من انتخبتم هذه الأحزاب على مدى 12 عاما، وعلى مدى ثلاث دورات انتخابية برلمانية ومجالس المحافظات، والدورة الرابعة التي تمت في مايو/أيار الماضي، والتي فازت بها كتلة «الفتح» بأعلى الأصوات في انتخابات مجلس النواب الأخيرة؟
وسينبري الكثيرون للرد على هذه التساؤلات باتهامات جديدة /قديمة مثل، إن الانتخابات مزورة، وإن الانتخابات الأخيرة لم يشارك فيها سوى نسبة ضئيلة لا تتجاوز الـ 10% بينما قاطعها أغلب أهالي المدن المنكوبة بحكوماتها المحلية في وسط وجنوب العراق. لكن الارقام تقول غير ذلك، وللخروج من دوامة الاتهامات لابد ان ننتقل الى السؤال الاهم في هذه المتاهة المعقدة وهو وماذا بعد؟
لا أحد يمكن أن يجيب على هذا السؤال المكون من كلمتين، وستأتي الإجابات متباينة ومتنوعة من أقصى الخيال الثوري المخضب بالدماء، إلى أقصى العقلانية الباردة التي تأمل في أن الحل كامن بقدوم شركات غربية لحل جميع مشاكلنا، وما بين هذا الحل وذاك بون شاسع يموت فيه البصريون كل يوم، بسبب الماء المالح وسوء الخدمات الصحية وتلوث الطعام والهواء، وأضيفت لكل ذلك منذ شهرين أسباب اخرى هي الاختناق بقنابل الغاز والرصاص الحي، الذي أطلق على رؤوس المتظاهرين، ولا احد يعلم حتى الان على وجه الدقة من أطلقه ولا من أمر بإطلاقه.
أزمة البصرة هي الأخطر على المستوى العالمي اليوم، لكنها كما وصفها الصحافي والكاتب المختص بشؤون الشرق الاوسط باتريك كوكبرن، قبل أيام في مقال له في صحيفة «الاندبندنت» البريطانية قائلا، إن أزمة مظاهرات البصرة قد سقطت من نشرات أخبار العالم، وكل غرف الأخبار تركز أنظارها على ما سيحدث في إدلب، بينما الحرائق على طرف بحيرة البترول بدون أن ينتبه أحد. كما ذكّر كوكبرن بقوله إن تغافل الإعلام العالمي عن مظاهرات البصرة اليوم يشبه الى حد كبير ما حصل قبل خمس سنوات عندما سقط الخبر العراقي من نشرات الأخبار أيضا، بينما جحافل «داعش» تتقدم باتجاه مدينة الموصل والعالم كله منشغل عما يحدث في العراق.
بالتأكيد لا يمكن لأحد ان يلوم المواطن البصري الذي خرج صارخا من الظلم والحيف الواقع عليه نتيجة نقص الخدمات، والإهمال الحكومي واضطهاد الميليشات، وسطوة العشائر المسلحة واستباحة المسلحين لميناء العراق الرئيسي، وتحول عصابات تهريب المخدرات إلى غيلان محمية بسطوة السياسيين الفاسدين، بدون أن يستطيع حتى الإشارة إلى ذلك، لكن هل يعني ذلك أن المواطن يطالب بإصلاح العلل التي استشرت منذ أكثر من عقد فقط؟ بمعنى آخر، هل الحل في توفير الماء الصالح للشرب والكهرباء وخدمات الصحة والتعليم؟ يبدو أن الوضع لم يعد متوقفا على الخدمات، وإنما أخذ بالتعقد وأصبح ككرة الثلج المتدحرجة، التي ابتدأت بمطالب خدمية ولن تقف عند المطالبة بتغيير النظام السياسي برمته، بل يمكن ان تتدحرج كرة الثلج الثورية كما يصر بعض الغاضبين لتصل إلى «سحل» السياسيين في الشوارع، وعند هذه النقطة يجب أن نعرف إن أحد أهم أسباب المطالبة بمثل هذه الأفعال هو فشل الشارع في التفريق بين العلاج والرغبة بالعقاب والانتقام.‏
التحول الأخطر في مزاج الحراك البصري حدث عند إطلاق النار على المتظاهرين، الذي أدى الى مقتل حوالي عشرة شباب، وهذا الأمر خلق رد فعل غاضب وغير مسيطر عليه من تجمعات الحراك العفوي، التي تجوب شوارع البصرة، إذ ابتدأ البعض بمهاجمة مقرات الحكومة المحلية ومقرات الأحزاب وصولا إلى إحراق القنصلية الايرانية في البصرة. وعند هذا المنعطف الخطير الذي لم تصله مطالب المحتجين قبل ذلك، تصاعدت الأصوات من كل الجهات، فالبعض يطالب بالتصعيد ويشيد بـ»الابطال» الذين يحرقون ويطالبهم بالمزيد للقضاء على كل «الفاسدين» وتطهير المدينة منهم، بل يطالب المدن الاخرى بالخروج ومساندة البصرة في «ثورتها». بينما يدين البعض هذه الأفعال ويتهم بها «المندسين» ممن يعملون على حرف الحراك السلمي ودفعه باتجاه الصراع المسلح، وبين هذا الصراخ وذاك بدت الحكومة المحلية وقوات الأمن والجيش مشلولة لا تستطيع أن تواجه غضب الشارع، ما زاد في قلق المراقبين للمشهد، ودفع بالبرلمان العراقي حديث التكوين إلى عقد جلسة وصفت بأنها (غير دستورية) لأن البرلمان مازال في طور انتخاب رئيس له ورئيس للجمهورية ليكلف الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، وبالتالي فإنه لا يستطيع مناقشة مشكلة مثل أزمة البصرة الحالية، بحضور حكومة تصريف الأعمال، لأنه أصلا لا يستطيع التصويت على قرار ما، لأن ذلك يعد خرقا دستوريا. وقد حضر اجتماع البرلمان اعضاء حكومة تصريف الاعمال التي يقودها حيدر العبادي، والحكومة المحلية ممثلة بمحافظ البصرة، ليشهد البرلمان فصلا هزليا لم يقدم للبصريين سوى زيادة الاحساس باللاجدوى وانسداد الأفق.
وكالمعتاد مع كل أزمة تصل هذه المديات في العراق تنطلق الأماني لتختلط بالإشاعات، وتغلف بالهتافات المطالبة بتغليف الأحلام وتقديمها للجائع والعطشان، والمثال الأبرز على ذلك هو ما يتكرر مع كل أزمة في الحديث عن حل البرلمان وتشكيل حكومة إنقاذ يقودها جنرال، ويحدد لحكومة الإنقاذ عمرا قدره البعض بسنة، يتم خلالها تغيير قانون الانتخاب وتعليق العمل بالدستور الحالي، والتهيئة لإجراء انتخابات مبكرة جديدة، يتم على أساسها انتخاب برلمان جديد يمثل طموح الناخب العراقي، ويقوم بتعديل الدستور ليخرج العراق من محنته التي امتدت لعقد ونصف العقد. وزاد بعض المتفائلين في تفاؤلهم بأن طرحوا اسماء جنرلات محبوبين من الشارع العراقي مثل الفريق عبد الوهاب الساعدي ليقود هذا التغيير.
لا أحد يريد ان يفهم أن نظاما كالنظام العراقي الذي أوجد بعد 2003 لا يمكن إطاحته بعنف ثوري، وذلك ببساطة لانه ليس نظاما متمركزا على قاعدة أيديولوجية، أو وجود رمز حكومي تتمحور حوله قوة النظام الذي يمكن أن يطاح به عند الإطاحة بركيزتة. النظام بعد 2003 متعدد القوى والمحاور، وكل طرف يمسك بجانب من قوته، والسلاح المنفلت في الشارع بين الاهالي والعشائر والميليشيات اكثر من السلاح المنضبط بيد القوات المسلحة، وإذا ما تحولت أي انتفاضة سلمية الى عنف مسلح، فلن يكون أمامنا سوى النموذج اليمني مسارا نسير به، أو في اقصى درجات التفاؤل سيكون النموذج الليبي المتشظي بين شرق وغرب ومليشات مسلحة تسيطر على منابع النفط وعشائر مسلحة تباع في سوق الولاءات.
لقد حقق الحراك البصري مطالب مهمة دفع ثمنها الشباب دمهم وجهدهم وتعرضهم للعنف على يد القوات الامنية، والكل يشهد بحصول تحسن نسبي في الخدمات، ما يعني ان التظاهر والاعتصام يمكن ان يتطور إلى آليات فاعلة تحقق ما تصبو إليه. فيا أيها الشاب الذي سرق الفاسدون حقك في العيش الكريم، إحذر أن تكون أداة بيد المتاجر بدمك الذي يدفعك الى المحرقة بينما ينعم هو وابناؤه بالامن والامان.
كاتب عراقي
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron