الوثيقة | مشاهدة الموضوع - أزمة البصرة وصراع الكتل السياسية الشيعية صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

أزمة البصرة وصراع الكتل السياسية الشيعية صادق الطائي

مشاركة » الأحد سبتمبر 16, 2018 5:28 am

اشتعلت أزمة البصرة، وخرج البصريون منذ أكثر من شهرين في مظاهرات هزت واقع المحافظة الرث نتيجة نقص الخدمات الأساسية، وتحولت حالة الغضب إلى أزمة أمنية خطيرة عندما أُطلق النار على المتظاهرين فسقط أكثر من عشرة متظاهرين قتلى برصاص مجهول المصدر حتى الآن. وتحولت حالة الغضب والمظاهرات السلمية إلى مظاهرات منفلتة هاجمت الكثير من مقرات الحكومة المحلية كمبنى محافظة البصرة ومقرات الأحزاب الإسلامية في المدينة، وتجاوز الغضب حدوده السابقة ليصل مديات غير مسبوقة عندما هاجم متظاهرون القنصلية الإيرانية في البصرة وأحرقوها.

كتلتا الشيعة

أفرز الصراع الانتخابي تمحورا حول كتلتين، تمثل الأولى حسب توصيف المراقبين الكتلة الأبعد عن المشروع الإيراني وقد بات يطلق عليها رسميا ائتلاف «الإصلاح والإعمار» وهو ائتلاف ناتج من تجمع مجموعة كتل، ويمكن توصيفه بأنه ائتلاف (العبادي والصدر والحكيم وعلاوي) المؤتلف مع بعض القوى السنية، أما الكتلة الثانية التي توصف بأنها الأقرب لإيران والتي أخذت اسم ائتلاف البناء، فتتكون من ائتلاف القوى التي يقودها (المالكي ـ العامري) وبعض القوى السنية، مع غياب أو عدم وضوح موقف القوى الكردية حتى الآن.
الملفت ان أزمة البصرة اشتعلت مع تصاعد التنافس بين القوى السياسية لتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان، فأرادت القوى السياسية المتنافسة الاستثمار في آلام ومعاناة الناس وتحويل نيران غضب الشارع إلى وقود لتجميع القوى السياسية في تشكيل الكتلة الأكبر في اجتماع البرلمان العراقي، الذي من المفروض ان تتم فيه عملية انتخاب هيئة رئاسة البرلمان، وهيئة رئاسة الجمهورية، ومن ثم يتم تكليف الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة. لكن حتى الآن يبدو مشهد صراع ائتلافات الكتل الشيعية غير محسوم، وخصوصا مع ظهور حالة انتقال النواب بين الكتل مما أربك المشهد السياسي.

«فيتو» المرجعية

التوتر أخذ بالتصاعد مع اقتراب موعد جلسة البرلمان، لذا وكالمعتاد في مثل هذه المواقف لجأ المتنافسون إلى حرب التصريحات والتسريبات الإعلامية، فقد سرب بعض الساسة إلى وسائل الإعلام أمرا مفاده وجود «فيتو» لدى المرجعية الشيعية في النجف على أسماء بعض من ترشح لرئاسة الوزراء من الائتلافين المتنافسين. فقد كشف القيادي في تحالف «سائرون» صباح الساعدي يوم الاثنين 10 أيلول/سبتمبر الجاري عن ورود تصريح رسمي من المرجعية الدينية العليا برفض خمسة مرشحين لمنصب رئيس الحكومة المقبلة.
وقال الساعدي في بيان صحافي إن «مرجعية السيد علي السيستاني رفضت 5 مرشحين لمنصب رئيس الوزراء المقبل» وأوضح أن «الشخصيات المرفوضة من المرجعية هي كل من: حيدر العبادي، ونوري المالكي، وهادي العامري، وفالح الفياض، وطارق نجم». وتابع أن «تحالف الإصلاح والإعمار الذي يضم سائرون والنصر والوطنية والحكمة وأطرافاً أخرى لديه عدة مرشحين للمنصب» مبيناً أن «العبادي ليس من ضمن المرشحين لرئاسة الوزراء». مما حدا بالموقع الرسمي للمرجع الأعلى السيد علي السيستاني ان يرد على هذا الادعاء بعد يوم واحد، وقال المصدر المخول في التصريح ان «ما ذكره بعض النواب في وسائل الإعلام، من إن المرجعية سمّت عدداً من السياسيين ورفضت إختيار أي منهم لموقع رئاسة الوزراء، غير دقيق» مبينا ان «ترشيح رئيس مجلس الوزراء إنما هو من صلاحيات الكتلة الأكبر بموجب الدستور وليس للآخرين رفض مرشحها».
كما بين المصدر في تصريحه الرسمي ان «التعبير بالرفض لم يصدر من المرجعية الدينية، كما إنها لم تسم أشخاصاً معينين لأي طرف بخصوصه» مشيرا إلى انها «ذكرت لمختلف الأطراف التي تواصلت معها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، انها لا تؤيد رئيس الوزراء المقبل اذا إختير من السياسيين الذين كانوا في السلطة في السنوات الماضية بلا فرق بين الحزبيين منهم والمستقلين، لان معظم الشعب لم يعد لديه أمل في أي من هؤلاء بتحقيق ما يصبو إليه من تحسين الأوضاع ومكافحة الفساد».

مخاض البصرة

من مفارقات أزمة البصرة إن السيد احمد الصافي، وهو أحد أهم المتحدثين باسم المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، قد انتقل إلى البصرة مع تفاقم الأزمة هناك، وبذل جهودا لم يتسن لإحد الاطلاع على ماهيتها في معالجة أزمة المدينة المنكوبة، والنتيجة كانت النجاح في بدء إعادة خدمات المياه الصالحة للشرب لمجموعة أحياء في البصرة، كما شهدت خدمات الكهرباء تحسنا ملحوظا في المحافظة وشهدت المدينة بداية عودة الهدوء، كل ذلك عزاه البعض إلى توجيهات رجل الدين الممثل للمرجع في فترة تواجده هناك.
لكن وفي الوقت نفسه شهدت البصرة تنافسا بين مختلف الجهات لاثبات القدرة على خدمة المواطن الذي صبر على تردي الأوضاع لأكثر من عقد. فقد انتقل رئيس الحكومة حيدر العبادي مع العديد من وزرائه من بغداد واستقر في البصرة بعد جلسة البرلمان التي شهدت توترا واضحا بين رئيس الوزراء ومحافظ البصرة وصل إلى حد تبادل الاتهامات بينهما. وعندما وصل العبادي إلى البصرة بدأ بإطلاق التصريحات التي تفيد بأنه لن يعود إلى بغداد حتى يضع حلولا حقيقية لمعالجة أزمات مواطني المحافظة المنكوبة.
بينما استثمر منافسو العبادي ما حصل من انفلات أمني وتسبب في مهاجمة وحرق مقرات أحزابهم ومقرات بعض فصائل الحشد الشعبي المسلحة للطعن بحلفاء العبادي في ائتلاف «الإصلاح والبناء»، مشيرين إلى إن مقرات التيار الصدري، الحليف الأبرز للعبادي، لم تمس في البصرة، بينما أحرقت مقرات بقية الأحزاب الإسلامية في المدينة، مما قرأه البعض على ان جماهير التيار الصدري أو المتعاطفين معه هم من هاجموا مقرات الأحزاب المتنافسة. لكن الرد جاء من رئيس الوزراء سريعا وحادا، فقد صرح العبادي عند وصوله إلى البصرة متهما خصومه دون ان يسميهم فقال «ما يحدث في البصرة نزاع سياسي باستحقاق كامل، للأسف كتل سياسية لديها أجنحة عسكرية أراد ‏بعضها إحراق البصرة»‏‎.‎
ومن التجليات الأخرى لتصاعد الصراع بين الائتلافين المتنافسين الاتهامات المتبادلة في أزمة البصرة، فقد اتهم النائب عن تحالف «الفتح» عدي ‏عواد شركة «الفارس» التي كلفتها حكومة العبادي بـ «تصنيع وحدات ضخ وتصفية المياه» ‏بالفساد، وملكيتها لأحد أعضاء مجلس محافظة البصرة، الأمر الذي دفع الوزارة إلى إصدار بيان قالت ‏فيه إن شركة الفارس تابعة للوزارة، وتعمل في مجال تنقية المياه ومحطات التصفية والتحلية ‏والمجالات النفطية والتشغيل الميكانيكي الثقيل، ودعت إلى عدم «خلط الأوراق، وإرباك الرأي العام‎».‎
وفي تطور لافت وصف بانه سيقلب معطيات المشهد السياسي وتحالفاته، التقى هادي العامري مع مقتدى الصدر في بيت الأخير في النجف يوم الاثنين 10 أيلول/سبتمبر الجاري، ورأى المراقبون في هذا اللقاء تقارباً تحقق بين زعيم كتلة «سائرون» مقتدى الصدر وزعيم كتلة «الفتح» هادي العامري، لاحتواء الاضطرابات في محافظة البصرة وفضّ الاشتباك حول تشكيل «الكتلة الأكبر» المكلفة باختيار رئيس الوزراء الجديد. كما رأى بعض المراقبين ان هذا التقارب قد قلّص من حظوظ رئيس الوزراء حيدر العبادي في ولاية ثانية بعد مطالبة كلا الائتلافين باستقالته على خلفية أزمة البصرة.
ويبدو ان هناك شبه إجماع لدى مراقبي الشأن العراقي فيما سيتمخض عنه اجتماع العامري والصدر، إذ أشار أكثر من محلل سياسي إلى ان لا تغيير في تشكيلة الكتل البرلمانية سيحصل نتيجة اللقاء، وان اللقاء كان متحمورا حول الخروج من أزمة تسمية المرشح لرئاسة الوزراء، كما استبعد عدد من السياسيين العراقيين تشكيل تحالف بين الصدر والعامري في هذه الظروف، لكن يبدو إنهما وصلا إلى تفاهمات للتعجيل بإجراء التصويت على ترشيح رئيس الوزراء المقبل والتصويت عليه. فهل سنشهد ولادة الحكومة المقبلة سريعا أم انها ما زالت بحاجة إلى عملية قيصرية؟ هذا ما سنشهده في الأيام المقبلة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات