الوثيقة | مشاهدة الموضوع - أيهما تتقدم مصالح العراق أم مصالح الأحزاب؟ مصطفى العبيدي
تغيير حجم الخط     

أيهما تتقدم مصالح العراق أم مصالح الأحزاب؟ مصطفى العبيدي

مشاركة » الأحد سبتمبر 23, 2018 3:33 am

يتابع العراقيون بقلق بالغ، توقعات حال المشهد السياسي المقبل في البلد، وسط تراكم غيوم صراع الأحزاب والكتل على المناصب والسلطة، وارتفاع مديات النفاق السياسي غير المعهودة عبر الاستعداد لتغيير الولاءات والمواقف والتحالفات لتحقيق المصالح الخاصة، في تناقض فاضح لآمال التغيير والإصلاح التي كان الشعب يتطلع إليها، ومخاوف جدية من انهيار أكبر في أوضاع البلد.
ومع اقتراب توقيت اختيار رئيسي الجمهورية والوزراء، يبدو ان صورة التحالفات لتشكيل الحكومة المقبلة التي كانت تتركز على كتلة سائرون المدعومة من التيار الصدري والساعية للتغيير والإصلاح في أوضاع البلد المتدهورة وكتلة الفتح بقيادة نوري المالكي وهادي العامري، أصبحت الكفة فيها تميل إلى الطرف الأخير بعد تخلي الكثير من النواب عن معسكر الإصلاح ومحاربة الفساد وتفضيلهم الانتقال إلى معسكر المناصب والامتيازات.
وبعد تهديدات كتلة سائرون المدعومة من الصدر بالتوجه نحو المعارضة إذا أصر الآخرون على نهج المحاصصة وتقاسم المناصب السائد، فان القيادي في الكتلة جمعة الحلفي، أقر في لقاء تلفزيوني، بان «كتلته تتمسك بمنهج واضح يركز على الإصلاح الجدي ورفض المحاصصة ومحاربة الفساد، وهذا المنهج من الصعب على الكثيرين من أعضاء الكتلة ان يبقوا متمسكين به أمام جبروت الفساد وامتداداته».
وفي الوقت الذي يتم فيه تسريب أسماء عديدة لمرشحي منصب رئاسة الوزراء، يبدو ان توجه الكتل الشيعية الفائزة الكبيرة هو اختيار شخصية شيعية توافقية ترضي أغلب الأحزاب والقوى ومرجعية النجف، كما ترضي الطرفين الدوليين، إيران والولايات المتحدة، رغم ان الأخيرة تتحرك بقوة في الوسط الكردي والسني لفرض شخصيات مقربة منها، إلا انه وكما يبدو فان حلفاء وأصدقاء طهران سيكون لهم وجود مؤثر في الحكومة المقبلة كما في الحكومات السابقة وربما أكثر هذه المرة.
وبرز في تداعيات الصراع على المناصب، عمق الخلافات حول السلطة وليس بسبب المصلحة الوطنية، ومن ذلك تطور الخلافات بين قيادات حزب الدعوة الذي قاد العراق لأربع وزارات متتالية تميزت بالفشل في تقديم الخدمات أو بناء دولة المؤسسات أو توحيد المجتمع. وقد أدت خسارة الحزب لمنصب رئيس الحكومة إلى تبادل الاتهامات بين أعضائه، حيث وجه ثلاث من قيادات الحزب رسالة انتقدوا فيها القيادي حيدر العبادي لتشبثه برئاسة الوزراء وتحالفه مع الصدر وعدم توحيد الحزب في الانتخابات الأخيرة، والتي رفضها العبادي، واعتبرها تأتي ضمن حملة تسقيط، متهما رفيقه نوري المالكي بعدم الالتزام بالاتفاقات المعقودة بين قيادات الحزب.
أما دور القيادة الكردية وسط هذه المعمعة، فلم يكن بمستوى آمال الكثير من العراقيين الذين كانوا يعتبرون الكرد بيضة القبان لموازنة صراع أحزاب بغداد لصالح العراق، حيث بدا واضحا ان موقف الحزبين الرئيسيين (بارزاني وطالباني) لم يكن لصالح الكتل الساعية للإصلاح وخير الوطن، بل حاولت استغلال الظروف وتوجهت نحو الكتل التي وعدتها بتحقيق شروطها حتى وان كانت على حساب وحدة العراق، وبذا خسر القادة الكرد فرصة تاريخية لتسجيل موقف وطني حقيقي.
كما كشف الصراع على منصب رئيس الجمهورية هشاشة التحالف بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي وتجاهل الأحزاب الكردية الأخرى، حيث قدما مرشحين للمنصب وسط ادعاءات «أحقية» كل منهما فيه، معلنين بذلك التمسك بمنهج المحاصصة الطائفية والاثنية، اسوة ببقية القوى الشيعية والسنية المنخرطة في العملية السياسية.
وفي تطورات ذات صلة بالمشهد السياسي، فقد برزت مؤشرات تنامي ظاهرة عسكرة المجتمع، وتزايد حالات تحدي الفصائل المسلحة لسلطة الدولة ومحاولة فرض نفسها بالقوة على المشهد، مستغلة انشغال القوى السياسية بالصراع على الحكومة المقبلة، ومن ذلك تهديد ابو طالب السعدي، القيادي في «كتائب حزب الله العراقي» المدعومة من إيران، بإسقاط ما سماه «عرش» رئيس الحكومة العراقية المقبل، في حال عدم «احترامه» لما وصفه بدماء مقاتلي الميليشيا، مشددا على أن الكتائب تسير على نهج المرشد الأعلى الإيراني السابق الخميني. وسبق ذلك إعلان الحشد الشعبي تشكيل كتائب مسلحة لمواجهة التظاهرات في البصرة.
وفي السياق، صرحت النائب في مجلس النواب العراقي عن تحالف الفتح انتصار الموسوي، «أن أولويات تحالف الفتح خلال المرحلة المقبلة إخراج القوات الأمريكية من البلاد» مشيرة إلى «ان أي عقوبات أمريكية ضد فصائل المقاومة الإسلامية لا قيمة لها، وتأتي ضمن مسار خليجي أمريكي للانتقام من داعمي المقاومة» وهو توجه اعتبره المراقبون ينذر بتطورات بعيدة عن الاستقرار وخاضعة للتأثيرات المحلية والإقليمية.
ولعل مبعث مخاوف العراقيين في هذا المشهد السياسي الملغوم، هو ان غالبية النخبة السياسية العراقية لا تتقيد بسياقات دستورية أو وطنية أو مبدئية محددة، من أجل تحقيق هدفها في الحفاظ على السلطة وامتيازاتها ولا يهمها استمرار الواقع المتدهور في العراق، وهي تلجأ لضمان بقاء مصلحتها الخاصة، إلى كل الوسائل ومنها افساد الذمم واستخدام الفصائل المسلحة للضغط والتهديد والاستقواء بالأجنبي، وهو نهج خطير يتجاهل مشاعر الشارع ومطالبه المشروعة التي عكسها تنامي مؤشرات رفض شعبي قوي لهذا الوضع عكسته تظاهرات البصرة الأخيرة والتظاهرات الأسبوعية المطالبة بالتغيير والإصلاح، وبالتالي فان تجاهل مشاعر الشعب ومصالحه عبر ابقاء العملية السياسية وفق الآلية السائدة، قد يجر إلى انفجار الشارع ويولد اضطرابات قد تكون خارج السيطرة وتجر البلد إلى ما لا يحمد عقباه.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات