الوثيقة | مشاهدة الموضوع - الانتقال الآمن» ليس آمناً في العراق مشرق عباس
تغيير حجم الخط     

الانتقال الآمن» ليس آمناً في العراق مشرق عباس

مشاركة » الثلاثاء أكتوبر 23, 2018 11:10 pm

المسألة لا تخص نقل المهمات من حكومة سابقة إلى حكومة جديدة. فلو كان الأمر بهذه البساطة لتمكن رئيس الوزراء المكلف عادل عبد المهدي من تشكيل حكومته في يومين، لكنه والوسط السياسي العراقي بمجمله، ومعهم واشنطن وطهران، يدركون أن العراق على وشك انتقال مفصلي خلال الأعوام المقبلة أو ربما الشهور، وان هذا الانتقال يخص جوهر العملية السياسية، وان ما يتم العمل عليه اليوم سيحدد الكلفة التي سيتكبدها العراق في تحولاته الانتقالية الجديدة. ربما مستوى فهم طبيعة المرحلة متفاوت بين طرف وآخر، وبين مجموعة سياسية وأخرى. ونزعم أن شخصيات دينية مثل السيد السيستاني والسيد الصدر، وعدد من الوجوه السياسية والفكرية إضافة إلى عبد المهدي نفسه، يفهمون بشكل أكثر عمقاً نمط المتغيرات التي يجب أن تحدث اليوم، واليوم حتماً، من دون تردد أو مماطلة أو تأجيل، ويرون أن العملية السياسية التي ولدت عام 2003 بتقاليدها وآليات عملها تنازع في هذه الأثناء، وان الدولة التي بنيت على أساسها هشة لدرجة أن كل الأسوار العالية التي تشيدها القوى السياسية حول مربعاتها الأمنية الآمنة لن تكون أعلى من موجة التغيير المنتظرة.

القيادات الإيرانية، أكثر فهماً من الطبقات السياسية العراقية للضرورات والمتطلبات وإدارة التوازنات في المراحل الانتقالية، ولهذا قد يبدو مفاجئاً، ان الجنرال قاسم سليماني المعني بالملف العراقي، يضغط في هذه الأثناء لحض القوى السياسية العراقية على التنازل بشأن رغباتها بالاستيلاء على وزارات الحكومة، وان تلك الأحزاب حتى الأكثر قرباً من ايران تناور وتماطل وأحياناً تتمرد على عرابها!. سليماني الآتي من بلاد تنتظر بدورها انتقالاً يراد له ان يكون آمناً، ولن يكون من دون انتقال عراقي آمن، لن تقنعه الإعلانات الدرامية عن تورط القنصلية الأميركية في حرق قنصلية بلاده في البصرة، فمعادلته الوحيدة اليوم، مفادها ان بلاده بدأت تدفع ثمن فشل رموز العملية السياسية في العراق الذين نالوا الدعم والرعاية الإيرانية، وان العراقيين لأسباب عدة يحملون إيران مسؤولية الفشل في إنتاج تجربة حكم ناجحة.

واشنطن التي تدرك لعبة الانتقالات جيداً، فهمت في وقت مبكر ان عادل عبد المهدي ليس رجل ايران في العراق، لكنه سينال دعماً إيرانياً ليس للحفاظ على السياسات الإيرانية الحالية ولا حتى على العملية السياسية برمتها، بل لأن المرحلة تتطلب تهشيم البنى الحزبية وتفتيت التقاليد السابقة، وإزاحة جيل كامل من المشهد. وأن الأكثر أمناً ان يتم الأمر بيد جراح من المجتمع السياسي نفسه لا من خارجه، وان الولايات المتحدة التي تنتظر بدورها انتقالاً ما بعد مرحلة ترامب، لا تريد ان تتوسط مرة أخرى صورة غير واضحة يتقافز فيها أطفال السياسة مرة في حضنها وأخرى برمي البيض الفاسد عليها.

المشهد الانتقالي واضح لدى ممثل مرجعية دينية عميقة الجذور كالسيستاني، الذي أزاح تمركز المرجعية بصبر وفخامة لتكون بعيدة في اللحظة الخطيرة عن المتكالبين على السلطة، ويجعلها جزءاً من فلسفة الانتقال الآمن.

لكن ماهو غير آمن بالنسبة إلى الجميع، أن الدكاكين السياسية التي رعيت أميركياً وايرانياً في العراق، أصبحت مصارف ومؤسسات مافيوية كبيرة، وباتت تتحكم بربع انتاج الطاقة في العالم، وتستعين بمراكز بحوث وشبكات علاقات عامة ووسائل اعلام، وتداخلت مع شركات عملاقة لغسل الأموال وتبادل المصالح وتجارة السلاح والمخدرات والمشروبات والسجائر، وهي مستعدة للانقلاب على سليماني وماكورغ معاً إذا استدعت مصالحها ذلك!. ولهذا تحديداً يمكن تلمس مستوى الممانعة لخطط إنتاج حكومة عبد المهدي بما يضمن تغييراً جزئياً في معادلة التقاسم، تمهيداً لتغيير كلي عام 2022. والممانعون يدركون تماماً انهم يمهدون بذلك لحرب أهلية جديدة بأطراف ومحركات مختلفة لا تقل قسوة عن سابقتها، لكنها تمثل من وجهة نظرهم، لحظة تأجيل وإعادة رصف أولويات وأوراق تعرقل الانتقال المحتوم.

العراق ليس بلداً طيعاً، هو أرض معقدة توهم المغامرون قبل 14 عاماً ان بالإمكان تدجينها، لكن المشكلة التي تواجههم اليوم، ان المعادلة وهي في طريقها للانفراط، تكشف عن خيوط أكثر اتساعاً وتعقيداً من قدرة اي طرف على جمعها، وربما هنا تحديداً يفترض البعض ان الاستراتيجية ستضع شروطها من جديد لتستدعي ما يمكن أن يطلق عليه «رعاية دولية لانتقال عراقي آمن».
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات