الوثيقة | مشاهدة الموضوع - العرب في عصر ما بعد الانحطاط.. عن ماذا سنكتب اليوم؟ كمال خلف
تغيير حجم الخط     

العرب في عصر ما بعد الانحطاط.. عن ماذا سنكتب اليوم؟ كمال خلف

مشاركة » الاثنين أكتوبر 29, 2018 2:56 am

باغتني أحد قراء صحيفة “رأي اليوم “بتعليق على مقالي السابق بالقول كان الله في عونكم عن ماذا سوف تكتبون. القاريء العربي الكريم يشير إلى ما آل إليه حال الأمة العربية من هوان وذل وانحطاط ، فعن ماذا سنكتب وكل مافي هذا الوطن العربي الواسع قصص خذلان وهوان وانبطاح و فشل .
أعترف بأننا نعيش عصرا عربيا قاسيا ، نحن بكل آسف في عصر أدنى من عصر الانحطاط . وإذا كان” إبراهيم يازجي ” أبو القومية العربية قد قال بيت شعره الشهير ” تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب ” فإننا بعد مئة عام على هذا التحذير الشهير وصل بنا الخطب حتى غطى روؤسنا وليس فقط الركب .
من الخليج الصابر حتى المحيط الهادر اخترقت إسرائيل الدول العربية ، بعد أن عجزت هذه الدول وتخلت تماما عن قضيتنا المركزية قضية فلسطين . كان التطبيع مدان ووصمة عار لكل من يذهب إليه ، والآن لم يعد الأمر عند حدود التطبيع إنما وصل إلى مرحلة التحالف مع القتلة والمجرمين والمحتلين . وهذا هيأ لأمريكا وإسرائيل ومن معها من عرب الخليج إلى طرح “صفقة القرن” بوقاحة وهم يعلمون أن الجسد العربي بات منهكا لدرجة أنه لم يعد قادرا على مقاومة هذا المشروع الخطير .
سوريا غارقة في لملمة جراحها بعد أن دفع الأخوة العرب في الخليج مليارات بهدف تدميرها وتقسيمها واضعافها. اما العراق فقد مهد العرب في الخليج تحديدا إلى احتلاله و تقطيعه و تدمير قدراته ومن ثم تحول إلى طوائف تتقاتل فيما بينها ، حتى خرج العراق من دائرة الصراع و الفعل والقوة إلى حالة مزرية يحاول فيها احتواء أوضاعه الداخلية المنهاره.
أما اليمن فقد دمره العرب الخليجيون فوق رؤوس أهله ، ودفعوا المليارات للولايات المتحدة وغيرها من الدول الأوربية لشراء السلاح والقائه إلى رؤوس الشعب اليمني الجائع . ولم
تتوقف المجازر في اليمن حتى اليوم .
وفي لبنان فإن بعض القوى السياسية اللبنانية أصبح مشروعها وهدفها محصور في مواجهة المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله ، وأقصى غاياتها هو نزع سلاح المقاومة ، تلك المقاومة هي أول مقاومة عربية هزمت إسرائيل واجبرتها على الانسحاب من أرض عربية دون قيد أو شرط . تلك المقاومة تقف اليوم وحيدة مثل يوسف النبي وسط أخوة عرب ، شيطنوها ومذهبوها وحاصروها ووضعوها على قوائم الإرهاب .
وفي فلسطين فالحديث عن أوضاعها يدمي الفؤاد ، صبية في عمر الورود يقفون أمام سياج حدود قطاع غزة ويواجهون كل جمعة بالحجارة والطائرات الورقية ، ويرتقي منهم الشهداء مع كل مواجهه ، لم يعد يدافع عنهم نظام عربي أو تحضنهم وسائل إعلام عربية . لم يعد لدمائهم تلك القدسية فهي لا تنفع في حملات التشويه والتحريض الإعلامية .
في الضفة لم يعد عند الرئيس أبو مازن ما يقدمه لإسرائيل ، هم يريدون كل شيء ، وهو قدم أقصى ما يستطيع ، وعليه أن يكون شريكا في بيع فلسطين وإنهاء حق شعبه في الوجود والا فليرحل .
على من سيعول الفلسطينيون ومصر العروبة لا ترى نفسها اليوم إلا ساعي بريد ينقل الرسائل بحياد . وبقية العرب يستقبلون نتنياهو ويتحالفون معه ضد إيران و حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وكل من يؤمن بالسلاح وسيلة للمقاومة .
على من يمكن أن نعول في يقظة العرب من هذا الطمي ومعظم النخب العربية اتجهت حيث مصدر الأموال المدفوعة على الحملات الإعلامية التي تحتاج إلى جهود أصحاب الرأي والقلم . ومع تردي وضع الصحافة والإعلام في الدول العربية ، استقطبت الدول الخليجية معظم النخب لشن حملة شرسة لإسقاط النظام الليبي ، ومن ثم شن هجوم مركز على النظام السوري لإسقاطه ، وجدت النخب العربية بيئة للعمل وكسب الأموال ،” مقالات ،تلفزيونات ، مراكز دراسات و صحف ومواقع إلكترونية ومؤتمرات ومنتديات ، تذاكر سفر ورواتب وامتيازات وميزانيات تغري كل من له باع في حقل الإعلام و الصحافة أو ليس له . المهم أن تشارك في تحقيق الهدف .
انتق ما شئت من القيم ووظفها لتحقيق الهدف ” حقوق إنسان ، عدالة ، ديمقراطية ، تحرير الشعوب ، مستقبل ، دين ، طائفة ، ” أي شيء . وعليك أن تنسى تماما أن مصدر التمويل لايملك كل هذه القيم ، وعليك أن تدرك أو لا تدرك أن هذه القيم وسائل لتحقيق الهدف ، وليس أهدافا بحد ذاتها ، لأنها أن أضحت أهدافا فإنها اول ما تقوض عروش مصادر المال .
ثم وجهت هذه الحملات إلى إيران في إطار رؤية جديدة للسعودية بالاتفاق مع الولايات المتحدة ضمن استراتيجية جديدة تسعى فيها الإدارة الأمريكية الحالية إلى تصعيد المواجهة مع إيران . فتحركت الماكينة ضد إيران ، ثم بدأ الخلاف مع قطر . تحركت الماكينات الإعلامية من الطرفين وخاضت صراعا مريرا، استخدمت فيه كل أسلحة التشويه والفضائح . انهمكت نخبنا العربية بهذه الحملات وفي هذه الصراعات الداخلية . ولم يكن نجاح أحدها في تشويه الآخرى والانتصار في معركة الإعلام على الأخ والشقيق سوى مظهر من مظاهر انحطاط هذه الأمة .
نعم عن ماذا سنكتب في هذا المشهد الأسود ، لدينا بعض الأمل ، هناك نبض قليل في هذا الجسد المتعفن ، سنكتب عنه وله . هناك نخب فقيرة بل معدمة تكتب وتتلكم فيما تبقى لها من منابر تعاني قلة القدرة . إلا أنها مثل ناي يعزف وسط الضجيج ، سوف تبحث الشعوب بعد هذا التيه عن ذاك الصوت وسط الركام والظلام وتهتدي به انشالله .
Ka_ kakh@yahoo.com
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات