الوثيقة | مشاهدة الموضوع - عقوبات أكبر من قدرة حكومة بغداد مشرق عباس
تغيير حجم الخط     

عقوبات أكبر من قدرة حكومة بغداد مشرق عباس

مشاركة » الأربعاء نوفمبر 07, 2018 12:01 am

لم تستثن واشنطن العراق من آليات عقوباتها ضد إيران، على رغم من إعلانها استثناء ثماني دول أخرى، ومنح العراق حرية الاستمرار بالتعامل على صعيد عقود الغاز والكهرباء الإيرانية بالدينار العراقي.والقضية يبدو أنها مفهومة ومتفق عليها أميركياً وإيرانياً، فالعراق لا يمكن أن يكون أداة لتطبيق صارم للعقوبات الأميركية ضد إيران، ولن يمكنه أن يتحول إلى قاعدة لكسر تلك العقوبات، وسيتعامل الطرفان مع حكومته الجديدة بطريقة جس النبض وردود الفعل بانتظار الخطوات التالية.

كان لافتاً أن وزير النفط العراقي الجديد ثامر الغضبان، قد تعهد فور تسلّمه منصبه، بزيادة إنتاج النفط العراقي بواقع مليون برميل نفط يومياً، فتلك الخطوة كانت مرفوضة إيرانياً حتى إلى ما قبل تشكيل الحكومة، لأنها في تلك المرحلة أرادت أن تصعّب مهمة اتخاذ قرار العقوبات، فيما كانت في المقابل مطلباً أميركياً ملحاً لأنها أرادت تطميناً للشركاء الدوليين بعدم تسبب العقوبات بأضرار كبيرة نتاج اختلال ميزان العرض والطلب على النفط ورفع الأسعار، وفي النهاية لم تقم وزارة النفط العراقية بأية خطوة لرفع الإنتاج.

لكن المشهد اليوم يبدو أكثر وضوحاً، فإيران لم تمانع زيادة محدودة في الإنتاج العراقي، بل ربما تطالب به وتسعى إليه، ليس لجهة ضرورة توفير العملة الصعبة عبر استحداث حركة تجارة بينية بأدوات جديدة مع العراق، بل لأن رفع أسعار النفط لن يكون مفيداً للدول المستثناة من شراء النفط الإيراني، فالأسعار يجب أن ترتفع لتعوض النسب المستقطعة من النفط الإيراني، لكن الارتفاع لا بد أن يتجاوز الحد المطلوب بما يغدو غير مفيد.

وتلك المعادلة مقبولة أميركياً أيضاً كما يبدو، ما يترك المجال نظرياً لتوازن متوقع في أسعار النفط، واختبار متواصل لقدرة العراق على الالتزام بالحدود الدنيا للعقوبات.

لا تغفل واشنطن بالطبع عن قوافل الدولار التي عبرت الحدود العراقية - التركية، بالتزامن مع انهيار الليرة، فتلك القوافل لم تكن سراً حتى يمكن تخبئته، وكذا الحال مع قوافل عبرت إلى إيران، ومتوقع أن تعبر في شكل يومي خلال الفترة المقبلة، في نطاق بدائل جاهزة ومجربة للتبادلات المصرفية الطبيعية. لكن ذلك لا يثير القلق أميركياً، بقدر ما تثيره الخطوات الإيرانية للالتفاف على العقوبات عبر العراق، وربما الأكثر أهمية بالنسبة الى إيران التي اتخذت إجراءات لتفادي انهيارات اقتصادية كبيرة في داخلها، هو إدامة زخم نفوذها الإقليمي وأذرع الصراع في المنطقة.

هل تورط طهران الحكومة العراقية إلى درجة دفعها إلى فخ العقوبات نفسه؟ يبدو مثل هذا الخيار مستبعداً، لأنه سيحدث انقلاباً هائلاً في الأوضاع العراقية غير المستقرة أساساً، وستتخذ إيران الموقف الأميركي نفسه من العراق، عبر «مراقبة سلوك الحكومة» و «الضغط عليها موضعياً» و «منحها فرص المناورة» و»إبقاء الخيارات مفتوحة». هذا التفسير ربما لا يكون حقيقياً، وقد تثبت الأيام المقبلة ما يدحضه، لكنه لو صح سيجعل الدفة بيد الحكومة العراقية نفسها لإحداث التوازن الذي قد يخفف من ضغوط الطرفين معاً، من دون استثناء أميركي معلن، ولا استثناء إيراني معلن.

ويكمن السؤال دائماً، في قدرة بغداد نفسها على ضبط التوازن المطلوب والمرضي والمتفق عليه ضمناً بين الطرفين من دون أن تورط نفسها في ملف انتهاك صارخ للعقوبات، مع الإدراك المسبق أن لدى واشنطن سلطة قرار اقتصادي، فيما لدى طهران سلطة قرار أمني، واستخدام أي من الخيارين قد يقود إلى كارثة جديدة.

وعلى رغم أن الحيرة العراقية اليوم هي الثمن الصريح لعجز المنظومات السياسية المتلاحقة أمام استحقاق حفظ السيادة الوطنية، وصون استقلال القرار الوطني ولو في أدنى مستوياته، لكنها حيرة مبررة أيضاً، لأن قضية العقوبات برمتها أكبر بكثير من قدرة المجموعات السياسية العراقية الغارقة في صراعاتها الداخلية على التعاطي معه.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات