الوثيقة | مشاهدة الموضوع - وثائق صدام السرية في المزاد العلني : صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

وثائق صدام السرية في المزاد العلني : صادق الطائي

مشاركة » الأربعاء ديسمبر 05, 2018 12:43 am

61.jpg
 
عرض موقع “EBay” الشهير للتجارة الإلكترونية، وثائق يدعي من يريد بيعها إنها بخط يد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، مكتوبة على ورق من النوع المستعمل في المخاطبات الرسمية، حمل شعار الجمهورية، ومطبوع أعلى كل ورقة رئاسة الجمهورية، الرئيس.
كل الوثائق كتبت بالحبر الأحمر، وهو أمر معتاد في المخاطبات الرسمية في العراق، باستثناء أمر واحد مكتوب بحبر أسود على ورقة بدون علامة رئاسة الجمهورية، لكنها حملت توقيع الرئيس. لم يتسن لجهة محايدة أن تدقق الوثائق لتعلن مدى دقة عائديتها، هل هي حقا للرئيس العراقي الأسبق أم لا؟ ربما كانت هنالك مجموعة قرائن جعلت بعض الشكوك تحوم حول مدى مصداقية هذه الوثائق، مثل عدم قدم الورق، تشابه نوع الحبر والخط، وكأن كل الوثائق كتبت في وقت واحد، مع أن التواريخ التي تحملها الوثائق تمتد لتغطي قرابة 11 عاما.
الموقع عرض الوثائق للبيع بأسعار تراوحت بين 2000 إلى 3000 دولار للوثيقة الواحدة. وظهور هذه الوثائق المنسوبة للرئيس صدام حسين الآن، رغم إعدامه في 30 ديسمبر/كانون الأول 2006، أي قبل 12 عاما يعني انه لم يزل شخصية سجالية ما تزال بحاجة إلى دراسة وفق منهجيات موضوعية وعلمية. ورغم أنه أصبح جزءا من التاريخ المعاصر للعراق، إلا أن الكثير من تداعيات ما نعيشه من أحداث ما يزال مرتبطا بسياسات فرضها وجود صدام حسين على العراق والمنطقة، خلال حقبة حكمه التي امتدت قرابة الربع قرن.
القراءة المتأنية للوثائق المنسوبة لصدام حسين، وفق تحليلات علم النفس للخطوط، تشير إلى أنه شخصية حادة، مفرطة الثقة بالنفس، ميالة للحسم وبغض النظر عما ستؤول إليه النتائج، إذ يمتاز شكل الحرف المكتوب بالأناقة والدقة، بدون وجود مؤشر على ارتجاف قد يوحي بالتردد أو حتى التأني. أما محتوى الوثائق فهو بشكل عام أوامر يوجهها الرئيس إلى عدد من الأشخاص من الدائرة المقربة له في يوم عمله العادي، مثل رئيس ديوان الرئاسة، أو سكرتيره الشخصي، أو مرافقه الأقدم، أو أوامر ورسائل وتوجيهات مرسلة إلى مدير مخابراته، أخيه غير الشقيق برزان التكريتي، علما أنه الوحيد الذي خاطبه بالاضافة إلى منصبه بتعبير “أخي برزان” في نوع من التبسط بالحديث معه. كما تشمل أوامر موجهة لعدد من الوزراء مثل، وزير الخارجية أو وزير الإعلام أو وزير التجارة، كما نلاحظ أن بعض الوثائق ابتدأت بكلمة عاجل، أو عاجل وعلى الفور.


تواريخ الوثائق التي انتشرت صورها على صفحات المواقع الإلكترونية ممتد من24 يونيو/حزيران 1979، أي قبل تسنم صدام حسين منصب الرئيس رسميا بحوالي شهر – وهو أمر وضع علامات استفهام على مصداقية هذه الوثائق – وصولا إلى عام 1990، إذ أن الكثير من الوثائق ناقشت أزمة احتلال الكويت وتداعياتها، لكن وبشكل عام يمكن أن نصنف المجموعة الأولى من الوثائق على أنها أوامر العطايا والمنح، التي تسلط الضوء على جانب مهم من شخصية صدام حسين، وهو الجانب الذي يظهر التصرف الديكتاتوري المفرط بالتعاطي مع شخصيات عراقية وعربية، في السلطة أو خارجها، يمنحها صدام حسين عطاياه لمجرد وجهة نظره في أمر ما، بدون الحاجة إلى مراجعة النظم والسياقات المتبعة، أو طلب موافقة مؤسسات رسمية مثل البرلمان أو مجلس قيادة الثورة على سبيل المثال. ففي المجموعة الأولى نطالع أمرا موجها إلى وزارتي الخارجية والتجارة حمل تاريخ 17 أبريل/نيسان 1988، نصه “تبلغ وزارتي الخارجية والتجارة بتقديم 144 سيارة نوع “كريسيدا” إلى الرئاسة المصرية كهدية من العراق لأخوته في مصر العربية… وبندقية ذهب للرئيس حسني”. كذلك الأمر الذي جاء غفلا من شعار الجمهورية ومكتب الرئيس، والذي أمر به في تاريخ 20 يناير/كانون الثاني 1981 بما يلي “تقدم للملك خالد بن عبد العزيز بندقية مذهبة، وقلادة ذهب رئاسية، ووسام الرافدين ‏المدني من الدرجة الأولى”. أما فيما يخص الشخصيات التي كانت خارج الخدمة أو السلك الوظيفي فنجد وثيقة حملت توقيع الرئيس بتاريخ 7 ديسمبر 1990 تنص على منح “سيارة مرسيدس للسيد عبد الرحمن عارف مع مكافأة مليوني دينار” في إشارة لتكريم رئيس العراق الاسبق عبد الرحمن عارف، الذي أطاح البعثيون حكمه بانقلاب 17 يوليو/تموز 1968، وقد عاش عبد الرحمن عارف منفيا خارج العرق منذ هذا التاريخ حتى السماح له بالعودة إلى العراق مطلع عام 1990. أما الوثيقة الاخرى المشابهة فهي التي نصت على “تمنح عائلة المرحوم شاذل طاقة سيارة ومليون دينار” في إشارة لتكريم عائلة وزير خارجية العراق الأسبق الشاعر شاذل طاقة.
وثائق حقبة الحرب العراقية الإيرانية كان لها حضور كبير ايضا، وقد طغى على هذه الوثائق سمة العنجهية في تعامل صدام حسين مع الاخرين داخليا وإقليميا، ربما نتيجة إحساسه بزهو ما تحققه المعارك الحربية حتى إن مرت بمراحل عصيبة، إذ نقرأ في وثيقة موجهة إلى وزير الخارجية بتاريخ 12 أبريل 1981 “تبلغ حكومتي قطر والبحرين بضرورة حل الازمة بينهما سلميا، ولا نسمح لقطر بإنزال قوات عسكرية في جزيرة (فشت الديبل) أو احتجاز موظفين وعمال ابرياء، وإبلاغ أمير البحرين عيسى بن سلمان وأمير قطر الشيخ خليفة من أن ذلك يؤثر سلبا على الموقف العسكري في حربنا ضد العدو الفارسي، ويمكن استغلال ذلك من العدو الايراني”. كما بينت وثيقة أخرى محاولة صدام حسين تملق المملكة العربية السعودية، لانها كانت الداعم الابرز له إبان حربه مع ايران. إذ ذكرت إحدى الوثائق أمر الرئيس بتاريخ 12 يونيو 1982 بأن “ترسل برقية تعزية، ويعلن الحداد لمدة سبعة ايام، وتنكس الأعلام فوق المباني الحكومية حدادا لوفاة المغفور له جلالة الملك خالد بن عبد العزيز، كما إننا سنحضر التشييع رسميا بعد ساعة”.‏
أما وثائق أزمة الكويت فإنها كثيرة ويبدو فيها سلوك صدام حسين متذبذبا بين التعنت والتذلل، في محاولة لإيجاد مخرج للازمة الخانقة التي مر بها، فقد خاطب وزير خارجيته بوثيقة طويلة نسبيا قبل الازمة بحوالي شهرين، ففي تاريخ 22 يونيو 1990 يقول في نهاية كلامه الموجه لوزير خارجيته “إن كل حملات الاعلام الامريكية ضد شخص صدام والعراق العظيم،، ومع كل تلك النكسات في العلاقات، ما زلنا نأمل بعلاقات قوية مع امريكا، لكن مع الحفاظ على كرامتنا وسيادتنا ولن نقبل بأقل من ذلك، أما من يعرض اقتصادنا للخطر وشعبنا للفقر، سوف لا يمكن التهاون معهم، وهذا مبدأنا في الحزب والثورة”. وتجدر الاشارة إلى أن هذه الوثيقة من الوثائق القليلة التي احتوت شطبا وتغيير كلمات، دلالة على التردد والقلق.
كما أبلغ الرئيس وزير خارجيته في وثيقة مؤرخة بتاريخ 29 يوليو 1990 أي قبل ثلاثة ايام فقط من احتلال الكويت بما نصه “يوضح للرأي العام أننا أردنا الحضور شخصيا للسعودية تلبية لدعوة جلالة الملك فهد، إلا أن الكويت رفضت حضور اميرها جابر لاجتماع جدة.. لذا قررنا عدم الحضور وإرسال السيد النائب”. وفي وثيقة اخرى حملت التاريخ نفسه ووجهت لوزير الخارجية ايضا، يطلب صدام حسين منه “تبلغ كل سفاراتنا وممثلياتنا في الخارج أن الكويت لم توافق على إرسال وفد إلى جدة إلا بعد ضغط من ‏الرئيس المصري حسني مبارك والأمير عبد الله بطلب من جلالة الملك فهد، ما يؤكد لنا تعنت وصلافة ‏حكومة الكويت وقارونها جابر”.
وما أن تندلع الأزمة ويحتل صدام حسين الكويت حتى يبدأ التصاعد في حدة التوجيهات التي يصدرها الرئيس، ففي وثيقة يطلب فيها صدام من رئيس الديوان بتاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول 1990 “‏تسحب كل الأوسمة والأنواط من حكام الخليج، عدا جلالة السلطان قابوس، حيث لا يشرفنا أن ‏تتزين صدور الحكام وهم عملاء صغار للأجنبي”. يمكننا أن نقرأ في هذه الوثائق، رغم سمتها الرسمية جانبا من شخصية صدام حسين، فهو الحاكم المتفرد برأيه، وهو الآمر الناهي في القضايا صغيرها وكبيرها، غير الواثق بمساعديه ومستشاريه. تجده عندما يكون مزاجه رائقا يغدق المنح والهدايا على من حوله، لكنه عندما يغضب يأمر بسحب ما منحه، يشكل اللجان التحقيقية بجرة قلم، وقد تكون نتيجتها موت انسان ما، لكنه قد يمنح الحرية لمذنب لسبب لا يمكن أن يناقشه فيه أحد. هذه الوثائق وغيرها ربما عشرات الالاف من اوراق الرئيس ما تزال تنتظر من يقوم بدراستها ليخرج بتوصيف علمي يشرح لنا فيه حقبة إشكالية من تاريخنا المعاصر.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron