الوثيقة | مشاهدة الموضوع - اغتيال آخر في العراق : صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

اغتيال آخر في العراق : صادق الطائي

مشاركة » الأربعاء فبراير 06, 2019 11:45 am

13.jpg
 
كلما بدا خيط نور يلوح في أفق العراق، تسارع الفواجع لتلتئم متجمعة بظلمتها لتحجب أي بصيص أمل، دم جديد يسفح في زقاق من أزقة المدينة القديمة المقدسة، زخات رصاص تنهال على جسد في لحظة غفلة ويهرب بعدها الجناة والكل بدا مذهولا مما حدث.
كاتب وباحث وروائي، ناشط مدني وعضو اتحاد أدباء محافظة كربلاء، هو علاء مشذوب الحاصل على درجة الدكتوراه في الفنون الجميلة، الذي يبدو أنه لم يكن من منتجي الثقافة الصاخبين في الوسط الثقافي، فرغم أنه ترك حوالي عشرين كتابا توزعت بين نظريات الدراما والنقد السينمائي وفنون التلفزيون والنقد الثقافي والقصة القصيرة والرواية، إلا أن كل من كتب عنه بعد الفاجعة ابتدأ مقاله بالقول: «لم أكن أعرفه معرفة شخصية»، طبعا باستثناء من كتب عنه من أصدقائه المقربين من أدباء وصحافيي كربلاء الذين كانت تربطهم به صداقة قائمة على طبيعة الراحل القائمة على الطيبة والضحكة الصافية، رغم كل السواد المحيط بالوطن.
من تابع حادث اغتيال الكاتب المغدور، ذكر أنه كان عائدا إلى بيته في شارع ميثم التمار في حي (باب الخان) في كربلاء في المدينة القديمة، التي تعد من الأماكن عالية التحصين أمنيا، لخصوصية المدينة الدينية، وقدسية الأضرحة التي تحويها، وخوفا من تنفيذ عمليات إرهابية فيها، لذلك فهي تعد من المناطق المؤمّنة بشكل جيد، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من كاميرات المراقبة التي تغطي أغلب أزقتها. وكان علاء مشذوب قد تعود على استعمال دراجته الهوائية في تنقلاته داخل المدينة للتخلص من زحمة المرور واختناقاته، وكان عائدا من أمسية اتحاد أدباء كربلاء في حدود الساعة السادسة والنصف مساء يوم السبت الثاني من فبراير/شباط، إذ خرج عليه من عتمة الزقاق القديم مسلحان وانهال عليه أحدهما بزخات بندقية كلاشينكوف كان يحملها، وهو يركب خلف شخص يقود الدراجة النارية التي استخدمها الجناة لتنفيذ عملية الاغتيال والفرار. أصيب مشذوب بحوالي ثلاث عشرة رصاصة تركته جثة هامدة ملقاة على قارعة الطريق سابحا في بركة صغيرة سرعان ما تشكلت من دمه، وفرّ منفذا الاغتيال على دراجتهم النارية في الأزقة والشوارع المكتظة بالبشر بدون أن يجرؤ أحد على إيقافهما أو مطاردتهما.

أحزاب وحركات الإسلام السياسي بشقيها الشيعي والسني ومليشياتها وعصاباتها مازالت تستهدف العقول في العراق

قبل أن يفكر أي شخص بالكتابة عن أمر بهذه الخطورة، لا بد أن يتحرى الدقة، ويحاول أن يعرف السبب وراء ارتكاب الجريمة، إذ ربما يكون السبب جنائيا، لكن سرعان ما أعلنت عائلة المغدور والمقربين منه من الأصدقاء والمعارف بانه شخص لا عداوات شخصية له، كما أنه بعيد عن النزاعات القبلية، أو مشاكل الثأر والدكات العشائرية، التي غزت المجتمع العراقي، كما أنه ناشط مدني عرف عنه طرحه لآراء تنتقد جهات متنفذة في الساحة السياسية العراقية، من أحزاب إسلامية متنفذة، وهنا يجب أن نتوقف ونزيح كل ركام الشك من كون سبب القتل جنائيا، لأن القتل العشائري لا ينفذ في الزوايا المظلمة، بل يعلن عنه بتفاخر، كما أن القتل الجنائي تكون وراءه عادة أسباب محددة ومعروفة كالتسليب أو السرقة أو العداء الشخصي، وكل ذلك لم يتوافر في جريمة اغتيال علاء مشذوب، إذن لم يبق سوى الاحتمال شبه المؤكد أنه اغتيال سياسي.
في العراق الدموي نعيش المفارقة بأقصى تجلياتها، فمع اغتيال كل مثقف يعرف الجميع وبشكل شبه مؤكد، ما هي الجهة التي تقف وراء الاغتيال، لكن لا أحد يجرؤ على إعلان ذلك، الكل يعرف أن أحزاب وحركات الإسلام السياسي بشقيها الشيعي والسني ومليشياتها وعصاباتها وتنظيماتها الإرهابية هي التي استهدفت ومازالت تستهدف العقول في العراق، لكن لم نستطع أن نكشف نتائج التحقيق في أي عملية اغتيال تمت منذ خمسة عشر عاما وحتى الآن.
مع دوي طلقات الرصاص التي انهمرت على جسد مشذوب، الكل بدأ يتذكر ويعدد مغدوري الثقافة العراقية، منذ اغتيال الكاتب والمفكر العراقي قاسم عبد الأمير عجام عام 2004 مرورا بكتاب ومثقفين وباحثين وصحافيين وإعلاميين وصولا إلى آخر الجرائم التي حدثت في الزقاق الكربلائي. وكما يعلم القاصي والداني أن العراق كان ومايزال من أخطر بقاع العالم بالنسبة للعمل الصحافي، لكن ونحن نشهد اليوم بعض التحسن النسبي في الحالة الأمنية، ومع مسعى الحكومة الجديدة بإشاعة بصيص أمل، عبر إرسالها رسائل تطمين للشارع العراقي متمثلة بفتح الشوارع المغلقة ورفع الحواجز الكونكريتية، تتم جريمة الاغتيال في مدينة محصنة في بقعة محمية أمنيا، إذن ماذا سيكون رد حكومة عادل عبد المهدي على هذا التحدي؟
رد الحكومة الرسمي الاول جاء على لسان شرطة المدينة التي اغتيل فيها مشذوب، إذ قالت مديرية شرطة كربلاء في بيانها الرسمي، إنها وبعد وصول أخبار عن تعرّض الروائي علاء مشذوب إلى إطلاق عدة عيارات نارية أثناء توجهه إلى داره في مدينة كربلاء، شرعت قوة من تشكيلات قيادة الشرطة وتحت إشراف قائد شرطة المحافظة اللواء أحمد علي زويني، وبمتابعة شخصية من مدير مكافحة الجرائم العميد الحقوقي صباح المسعودي، وثلة من كبار المحققين في جمع المعلومات الاستخباراتية الأولية للوصول إلى الجناة وتقديمهم إلى العدالة. وأضافت مديرية الشرطة أنها ستكشف عن تفاصيل هذه الجريمة النكراء وستضرب بيد من حديد كل من تسوّل له نفسه الاعتداء على أهل كربلاء وزائريها والعبث بأمنها واستقرارها. كما دعت قيادة شرطة كربلاء القنوات الفضائية والإعلاميين والمواطنين كافة إلى التعاون معها عبر توخي الدقة في نشر الأخبار، وعدم إطلاق الأقاويل جزافًا، أو الانجرار وراء الإشاعات المغرضة، وأخذ المعلومات من المصادر الرسمية، للمساعدة في كشف ملابسات الجريمة بأسرع وقت ممكن، ولكي لا تؤثر بعض الأخبار غير الدقيقة على مجريات التحقيق.
لكن على مستوى رد الفعل غير الرسمي ووفق فورة الأخبار التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، نجد أن أصابع الاتهام توجهت صراحة لميلشيات معروفة بسطوتها في المدن الشيعية، اي أن السلاح المنفلت خارج سيطرة الدولة هو الذي يقف وراء تصفيات من هذا النوع. وهنا يأتي السؤال الاهم: هل يملك رئيس الحكومة القدرة على الوقوف بصلابة بوجه هذه الجهات؟ هل يستطيع أن يضرب مراكز القوى والنفوذ المنفلتة في الشارع العراقي؟ هذا ما تطالب به جمعيات ونقابات وتجمعات جماهيرية عراقية ردا على اغتيال الكاتب والروائي علاء مشذوب.
الكثيرون يصرخون مطالبين بعمل وقفات احتجاجية، وهذا ما تم جزئيا بعد تشييع جثمان مشذوب يوم الاحد 3 فبراير إذ شارك العشرات من أهالي مدينة كربلاء في تشييع جثمان الروائي المغدور إلى مثواه الاخير‎، بينهم مثقفون وكتاب وصحافيون، كما نظم مثقفو وكتاب محافظة كربلاء وقفة احتجاجية وسط المحافظة للمطالبة بالكشف عن اسماء قتلة مشذوب. والمطالبة بفتح تحقيق شفاف تعلن نتائجه ويكشف عن الجناة وعن تطبيق العقوبة الرادعة بحقهم. الكل اليوم يصرخ أننا لن نسكت فنكون كالواقفين في طابور انتظار القتل الذي سيطال الكثيرين من مبدعي العراق، بسبب كلمة تقال أو رأي ينتقد جهة مسلحة مسعورة متروكة لتنهش الأبرياء في الشارع. كما طالب ناشطون بإطلاق اسم علاء مشذوب على دورة معرض بغداد للكتاب لهذا العام الذي سيفتتح بعد ايام.
من جانبه أعلن الشاعر والناشر الأمريكي والجندي السابق بو بوسولي، عن مبادرة سجلت كأول رد فعل عالمي على حادث اغتيال الكاتب والروائي علاء مشذوب، ومن المعلوم أن بو بوسولي عرف بتأسيسه «مبادرة شارع المتنبي»‏ ردا على تعرض شارع الثقافة في قلب بغداد للتفجير الإرهابي عام 2007‏، وقد حول الشاعر الامريكي هذا الحدث إلى مبادرة عالمية، يتم عبرها الاحتفاء سنويا بالثقافة العراقية الجريحة. اليوم يطالب بو بوسولي جميع المنظمين لأنشطة ‏»مبادرة شارع المتنبي»‏ ‏لهذا العام في العالم إلى إهداء وتسمية ‏النشاطات باسم الراحل المغدور علاء مشذوب.
كاتب عراقي
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron