الوثيقة | مشاهدة الموضوع - في الذكرى الاربعين للثورة الايرانية.. هل سعت إيران إلى التشييع في البلاد العربية.. اليكم تجربة شخصية كمال خلف
تغيير حجم الخط     

في الذكرى الاربعين للثورة الايرانية.. هل سعت إيران إلى التشييع في البلاد العربية.. اليكم تجربة شخصية كمال خلف

مشاركة » الجمعة فبراير 08, 2019 11:56 am

تحتفل إيران هذه الأيام بالذكرى الأربعين لثورتها ، ذاك التاريخ من العام 1979 كان زلزالا سياسيا غير موازين الإقليم ، وقلب دور ووجهة إيران في المنطقة لصالح القضايا العربية ، وكان أول الفرحين والمرحبين و الرابحين من تلك الثورة هم الفلسطينيون .
طرد الإسرائيليون شر طردا من دولة إقليمية تشكل قوة كبيرة في محيطها . لكن هل سعت إيران فعلا إلى تصدير مذهبها منذ تلك المرحلة حتى اليوم ، كما يعتقد الكثيرون منا ؟ وهل تقوم إيران بتشييع العرب أينما حلت أو استطاعت لذلك سبيلا ؟ . اسمحوا لي ان اقدم شهادة من تجربتي ، ثم انتقل إلى مساحة الرأي والاستنتاج بقدر من الموضوعية ، لاكتشاف الأمر بين أن كان يقع في دائرة الواقع أو الأسطورة .
أتذكر منتصف العام 2006 عندما جئت إيران لأول مرة ، وذهبت وقتها للعمل في إحدى قلاع الدولة الحصين وهو مبنى الإذاعة والتلفزيون الإيراني ، هو ليس بناء عاديا ، إنما مدينة كاملة على مساحة شاسعة شمال العاصمة طهران ، يحوي عددا كبيرا من القنوات المحلية وأخرى بلغات عدة ، بالإضافة إلى المصارف والملاعب و الجامعات وروضات الأطفال ، و مسجد كبير ، ومسبح ، ومطاعم وشركة حجوزات للطيران ، وحدائق ، وبناء ضخم للمؤتمرات .
أتذكر كذلك كم الاهتمام والترحيب الذي حظيت به من الإيرانيين رغم كوني شابا في أول العمر ، ولكن كان يكفي أن أكون فلسطينيا حتى تفتح أمامي أبواب القلوب والاهتمام .
في القناة العربية التي أنشأتها إيران في العام 2003 ، وجدت عددا كبيرا من الصحفيين العرب ، من فلسطين و سوريا و العراق ، ومصر ، والسودان ، والمغرب العربي ، وموريتانيا ، والأردن ولبنان . كان غالبية هؤلاء من الطائفة السنية . وعبر سنوات عملت فيها مع هذا الفريق ، وجدت أن فيهم المتدين و اليساري و القومي العربي ، والليبرالي و آخرين محايدين . كان خليطا أمن حالة من التفاعل و النقاش اليومي الممتع في العمل أو في منازلنا حيث كنا نجتمع مساء .
كان الزملاء من العرب السنة يصلون في المصلى داخل القناة إلى جانب الزملاء الشيعة من الإيرانيين أو العرب ، لم يكن الإيرانيون ، إدارة أو موظفين يهتمون باختلاف مذهب أغلبية الصحفيين العرب . لم يكن أيا من الصحفيين العرب يشعر بالتردد في أداء صلاته أو التعبير عن معتقادته الدينية . عبر السنوات ، خرج عدد كبير من هؤلاء للعمل في بلدان أخرى ، دون أن يغيروا مذهبهم ، عاد قسم منهم إلى بلدانهم ولم يتشيعوا أو يتأثروا بالمذهب الرسمي للدولة التي عملوا بها . هذه شهادة للتاريخ ، ويعلمها تماما كم كبير من الزملاء ممن أصبحوا اليوم في قنوات مختلفة وبلدان عدة . فإذا كانت إيران لم تعمل على تشييع نخبة من الصحفيين العرب وهم في قلب دولتها ، وتركتهم على مذهبهم حتى غادروا ، فلماذا تذهب لتشيع في أقصى العالم العربي .
أذكر في تلك الأيام كم الصداقات التي حصلت عليها هناك ، من مختلف شرائح الشعب الايراني ، وهي صدقات بنيت على الاحترام والثقة ، لم يطلب فيها أحدا مسؤولا كان أو إنسانا عاديا ، أن يثبت لي أن مذهبه هو الأفضل أو الأجدى بالاعتناق ، وفي حال طرحت المسائل الدينية على بساط البحث فإن كثيرا منهم ، كان يسعى إلى إظهار الأخوة والوحدة وعدم التفرقة . محاولا إزالة أي شوائب أو أفكار سلبية عن الشيعية .
الشعب الايراني شعب متدين لذاته ، لكنه شعب مدني ، يهتم بالثقافة والحضارة والعلوم الانسانية و الرياضة والتجارة و الترفيه وليس كما يتصوره البعض منا مهوسا بنشر مذهبه ، أو حث الآخرين على اعتناق عقائده وصدق أو لا تصدق أن الشيعة الايرانيين اكثر اعتدالا بمراحل من نظرائهم الشيعة العرب .
أما النخبة السياسية ، وتلك التي تمارس الحكم ، فإنها ترى أن مكسب إيران ومصلحتها في أن تتواصل و تتحالف مع القوى السنية ، بلدانا أو أحزاب ، أو تيارات بكونها سنية لا أن تتغير لتصبح شيعية ، فليس من مصلحة إيران تشييع العرب ، خاصة اولئك الذين ينظرون اليها بعين الصديق . تدرك إيران أنها بحاجة إلى جسور تواصل مع العرب ، وأن تشييع من يقترب منها مسألة عديمة الفائدة ، بل مضرة بها . تحالفت فتح مع الثورة الايرانية في بدايتها وفي أوج زخمها ، ولم تتشيع فتح ، وجاءت حماس الإسلام السياسي السني ، واعتمدت على إيران في التسليح و الدعم و التمويل ، ولم تتشيع حماس ، وكذلك الجهاد ، والجبهة الشعبية اليسارية ، وكذا قوى وأحزاب سنية في لبنان . وإلى أسطورة التشيع في سوريا ، حيث لا وجود لها على أرض الواقع ، بل تزداد سوريا اليوم مدنية وعلمانية عبر مجموعة من القوانيين الجديدة .
التشييع الايراني أعتقد أنه استخدم كوسيلة لتخويف المجتمعات والنخب و الأحزاب من التعامل مع ايران ، وبالتالي يغدو هذا الشبح في سياق الحملة الشاملة لعزل إيران ، واستعداء العرب لها.
في ذكرى الثورة الايرانية نقول أن المشكلة تكمن في أننا كعرب لم نفهم إيران ، لم نفهم ماهي من داخلها وكيف تفكر ، وماذا تريد، وماذا نريد منها ، وماهي حدود تعاوننا معها ، أو عدائنا لها . لذلك لم نحسن حتى اليوم التعامل مع هذا الجار الكبير و العريق . أعتقد أن علينا التدقيق في أساطير كثيرة سوقت للعرب على أنها مسلمات ، حول إيران وغيرها . إن الخلاف السني الشيعي هو أحد مظاهر التخلف في العام العربي ، وأن التخلص منه واجب ديني وطني و إنساني ، وشرط من شروط التقدم والتطور والالتحاق بركب حضارة الأمم .
كاتب واعلامي فلسطيني
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron