الوثيقة | مشاهدة الموضوع - كردستان العراق: انتخاب الرئيس وعاصفة الأزمات الجديدة : صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

كردستان العراق: انتخاب الرئيس وعاصفة الأزمات الجديدة : صادق الطائي

مشاركة » الأربعاء يونيو 12, 2019 7:35 pm

على مدى ثمانية أشهر من الهدوء الذي مرت به العلاقات بين بغداد وأربيل، والذي عزاه المراقبون إلى طبيعة العلاقة الجيدة لرئيس الوزراء العراقي الجديد عادل عبد المهدي بالزعامات الكردية. وقد ساد اعتقاد مفاده أن مرحلة تشدد بغداد تجاه أربيل التي مارسها رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي باتت صفحة مطوية من تاريخ العلاقات بين الطرفين، نتيجة طبيعة علاقات عبد المهدي بحكومة كردستان التي اتسمت حتى الآن باللين.
وبعد أزمة طال عمرها لسنوات، كسرت الأحزاب الكردية الجمود، وخاضت تجربة اختيار رئيس ثان للإقليم يعقب الرئيس الأول والأوحد مسعود بارزاني، الذي شغل المنصب مدة اثنتي عشرة سنة، وسعى حزبه لتعديل دستوري يمنحه الحق بالبقاء في سدة حكم الإقليم مدى الحياة، لكن المشروع باء بالفشل، وتنحى الرجل عن منصبه بعد النكسة الكردستانية، التي جرها الاستفتاء على انفصال كردستان العراق في 25 سبتمبر/أيلول 2017، وما لحقه من تداعيات نتيجة استعادة الحكومة المركزية وقواتها المسلحة السيطرة على المناطق المتنازع عليها وبضمنها مدينة كركوك النفطية.
وفي جو يسوده التوتر والاتهامات المتبادلة والمقاطعة بين الحزبين الكرديين الكبيرين، تم انتخاب نيجرفان بارزاني ابن شقيق الرئيس السابق مسعود بارزاني وزوج ابنته رئيسا جديدا للاقليم، إذ انتخبه برلمان الإقليم رئيساً لإقليم كردستان العراق في جلسة 28 مايو/أيار ‏‏2019 التي قاطعها نواب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحراك الجيل الجديد، والاتحاد الاسلامي والجماعة الإسلامية، لكن التصويت ‏حظي بحضور أغلبية بسيطة نال عبرها نيجرفان بارزاني 68 صوتاً من مجموع الحاضرين وهم 81 برلمانياً من أصل ‏مجموع 111 هم عدد أعضاء برلمان الإقليم. وقد أصدر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بياناً احتجاجيا قال فيه: «إن انتخاب رئيس الإقليم بدون أصوات كتلة الاتحاد الوطني ‏الكردستاني، سيضع ملف القرار والشرعية في إقليم كردستان أمام أوضاع جديدة، كما سيضع ملف ‏تشكيل حكومة اقليم كردستان أمام احتمالات جديدة، وتداعيات تلك السياسة غير الواقعية لاتقع على ‏عاتق الاتحاد الوطني الكردستاني، وتقع مسؤوليتها على عاتق الطرف المقابل».‎
بعد ثمانية أشهر من المباحثات بين الحزبين الكبيرين في الاقليم، وسيل من الاتفاقات والتفاهمات الهشة، ‎نرى أن الوضع في الاقليم سياسيا وإداريا يزداد تعقيدا، فالإدارة منقسمة فعليا على الأرض بين قوتين حاكمتين‎، وعلى الرغم من كل التطمينات والتفاهمات السياسية، إلا أن الواقع على الأرض يشهد ترسخ فكرة الإدارتين بين أربيل والسليمانية.
كما أن صراع الأحزاب الكبيرة يتصاعد ويتعقد، والانكى من ذلك صراع الأجنحة داخل الحزبين الكبيرين، إذ تشظى حزب الاتحاد الوطني إلى كتلتين، الأولى تدار من قبل ورثة الرئيس الأسبق جلال طالباني، ممثلين بجناح هيرو إبراهيم أرملة الرئيس واولاده واولاد اخيه، مقابل جناح متمرد يقوده القيادي الكردي كوسرت رسول. بينما الصراعات بين أجنحة عائلة بارزاني تتضح يوما بعد آخر، وتكشف الكثير من الأزمات والتوتر بين رئيس الاقليم الجديد نيجرفان بارزاني وابن عمه مسرور بارزاني نجل مسعود بارزاني ومستشار الأمن القومي للاقليم والمرشح الجديد لرئاسة وزراء حكومة الاقليم‎.‎ الاتهامات المتبادلة بين الحزبين الكرديين الكبيرين وصلت مديات غير مسبوقة في الأيام السابقة، وقد شن كل طرف منهما حملات اتهامات وشتائم مستخدما وسائل إعلامه ومنصات التواصل الاجتماعي التي يسيطر عليها، لذلك فمن المتوقع أن تدخل عملية تشكيل حكومة الاقليم المقبلة نفقا لا احد يعلم طريقة الخروج منه. كما تبلورت الصراعات على منصب محافظ كركوك، الذي يصرح الاتحاد الوطني بانه من حصته، وأنه اتفق مع الديمقراطي الكردستاني على ذلك. وكذلك تثار أزمة اختيار منصب وزير العدل في الحكومة الاتحادية، الذي بات من حصة الاتحاد الوطني، وبقي وضع رئيس برلمان الاقليم معلقا، نتيجة الازمات التي تشهدها العملية السياسية الكردية.

الأزمات ابتدأت، والنزاع بين بغداد وأربيل حول موضوع النفط والوضع في كركوك يتصاعد

ومع هذه التداعيات واللهاث خلف منصب محافظ كركوك الجديد، انتشرت أخبار إلقاء القبض على محافظ كركوك السابق نجم الدين كريم، المتهم بقضايا فساد والهارب منذ عام 2017، فقد استغل حينها جواز سفره الامريكي وغادر العراق، لكن حسب مذكرة قبض صادرة عن الشرطة الدولية «الانتربول» ألقت الشرطة اللبنانية القبض على كريم في مطار بيروت يوم الاربعاء 23 مايو/أيار الماضي، وانتظر مراقبون تسليمه للسلطات العراقية، لكنهم فوجئوا بإطلاق سراحه المشروط بسحب جواز سفره بعد تدخل أطراف توسطت في الامر لدى الجهات اللبنانية.
نجم الدين كريم الذي كان الطبيب الخاص للرئيس الكردي جلال طالباني، وكان قياديا في حزب الاتحاد الوطني، وشغل منصب محافظ كركوك على هذا الاساس، لكنه انقلب على حزبه وانضم للديمقراطي الكردستاني، أثناء احتدام الأوضاع في كركوك، بعد سيطرة قوات بيشمركة الديمقراطي عليها عام 2014. تلقى كريم موجة هائلة من الاتهامات والشتائم من حزبه القديم في أزمته الاخيرة، إذ نشر الإعلام الرسمي للاتحاد الوطني جانبا من قضايا الفساد التي اتهم بها محافظ كركوك السابق وعائلته وجماعته في كركوك، ‏نقلا عن تقرير لديوان الرقابة المالية العراقي إبان عمله محافظا لكركوك وقياديا بارزا في حزب طالباني، فقد تحدث ‏ إعلام الاتحاد الوطني في حملته الأخيرة عن 59 مشروعا ‏وهميا فيها شبهات فساد مليونية، أحيلت إلى مقربين من كريم وصرفت لها مبالغ طائلة من الخزينة الاتحادية بدون أن تنفذ.‏
من جهة أخرى توترت علاقات حكومة بغداد مع حكومة الاقليم مؤخرا على خلفية الاستحقاقات المالية، فبعد التسهيلات التي قدمها عبد المهدي لحكومة الاقليم الذي استلم تخصيصاته المالية من موازنة عام 2019، التي اقرها البرلمان الاتحادي، مقابل تعهد حكومة الاقليم بتسليم مبيعات كردستان من البترول، وبواقع 250 الف برميل يوميا، بالاضافة إلى جبايات حكومة الاقليم من رسوم وكمارك إلى الخزينة الاتحادية. وقد هدد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حكومة الإقليم بقطع التخصيصات المقرة لها في ‏الموازنة العامة لسنة 2019، اذا بقيت على موقفها من عدم تسليم النفط إلى الحكومة الاتحادية‎.‎ وقالت رئيسة كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني في البرلمان الاتحادي، ‏جوان إحسان، في تصريح صحافي، إن عبد المهدي «أجتمع في ‏بغداد مع رؤساء الكتل الكردستانية النيابية‎».‎ ونقلت إحسان عن عبد المهدي تأكيده خلال الاجتماع: «وفق قانون الموازنة العامة، إذا لم تسلم حكومة ‏الإقليم النفط إلى بغداد سيتم قطع المستحقات المالية للاقليم». مشيرة إلى ان:» الاجتماع بحث عددا من ‏المسائل المهمة بين الإقليم والمركز، بينها مسألة رواتب موظفي اقليم كردستان‎».‎
من جانبه صرح وزير النفط العراقي ثامر الغضبان، بأن إقليم كردستان لم يسلم حتى إبريل/نيسان الماضي مستحقات الحكومة ‏الاتحادية من أموال النفط‏، اما من الجانب الكردي فقد اعتبر القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني غياث السورجي أن سبب عدم التزام حكومة إقليم كردستان بتسليم أموال النفط إلى بغداد يعود لعدم ايفاء حكومة بغداد بالتزاماتها تجاه ‏الاقليم‎. وقال السورجي في تصريح صحافي: «إن الحكومة الاتحادية دفعت رواتب 3 اشهر فقط لموظفي الاقليم، ‏ولم تلتزم بتسديد ما بذمتها بشكل كامل». ورجح السورجي أن يتوصل الطرفان في الفترة المقبلة إلى صيغة حل ليتم بعدها تصدير نفط الاقليم من ‏خلال شركة سومو وتسليم الحصة كاملة للشركة‎.‎ الأزمات ابتدأت، والنزاع بين بغداد واربيل حول موضوع النفط والوضع في كركوك يتصاعد، فهل جاء انتخاب رئيس الاقليم ليزيد الطين بلة ؟ هذا ما يتوقعه المراقبون.
كاتب عراقي
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron