الوثيقة | مشاهدة الموضوع - قطار الموت وانقلاب عراقي يقوده عريف : صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

قطار الموت وانقلاب عراقي يقوده عريف : صادق الطائي

مشاركة » الأربعاء يوليو 31, 2019 7:17 am

12.jpg
 
قبل أن يغادرنا يوليو شهر الانقلابات العراقية، أرى من المهم تناول إحدى المحاولات الانقلابية المنسية في سرديات انقلابات هذا الشهر، إنها انقلاب 3 يوليو 1963 الذي عرف شعبيا، ولاحقا إعلاميا، بحركة حسن سريع، اسم العريف الذي قاد الحركة.
لم يتم تناول هذه الحركة الانقلابية بدراسات تاريخية بحثية أو أكاديمية، وربما كان التناول الأبرز هو ما ذكره الدكتورعلي كريم سعيد في كتابه «العراق .. البيرية المسلحة، حركة حسن سريع وقطار الموت»، بينما ورد ذكر الحركة والظروف المحيطة بها، التي أدت لها ونتائجها في مباحث متناثرة تعد على أصابع اليد.
وربما كان معلوما سبب تجاهل محاولة حسن سريع الانقلابية، والنتائج التي تمخضت عنها من مؤسسات البحث والإعلام الرسمي طوال عهد البعث، إذ يندرج ذلك تحت محاولة طمس ما حدث من انتهاكات، لكن الغريب ان أدبيات الحزب الشيوعي بدورها تجاهلت الأمر، باستثناء بعض الإشارات المتناثرة هنا وهناك مثل تناول القيادي الشيوعي عزيز سباهي للمحاولة الانقلابية في كتابه «محطات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي» الجزء الثاني.

يبقى انقلاب 3 يوليو، انقلاب المهمشين المنسي من الأصدقاء قبل الأعداء

أما على مستوى المخيال الشعبي فقد تم نسج الكثير من المعطيات، بناءً على أحاديث شفاهية لعناصر شيوعية شاركت في الحركة، أو كانت قريبة من الحدث، وحصل نتيجة التناول الشفاهي للاحداث نوع من التضخيم والمبالغات، ربما لإضفاء سمة البطولة أو حتى أسطرة المشاركين وبشكل خاص من ذهب منهم ضحية هذه الحركة. خلفية قيام الحركة الانقلابية على مستوى الجنود وضباط الصف فقط يمكن أن نحللها وفقا لإشارات حنا بطاطو المختزلة والشحيحة في كتابه عن العراق، الجزء الثالث، عندما تناول بالدراسة ظروف وملابسات انقلاب 8 فبراير 1963 الذي أسقط فيه البعثيون نظام عبد الكريم قاسم، إذ يقول واصفا ما حدث «بقي التنظيم العسكري للحزب الشيوعي خاملا نسبيا… وكان الحزب الشيوعي يحظى بولاء الآلاف من الجنود والرقباء» ويضيف «إن أكثرية الجنود كانوا ضد الانقلاب على قاسم، الذي احتفظ الجنود بصورته على صدورهم حتى بعد موته ولم يخلعوها إلا تحت التهديد». لكن لم تتوفر لهذه الطبقة الدنيا المسحوقة من الجنود والرقباء قيادة توجههم لتصد أو تمنع هجوم الانقلابيين البعثيين، لذا بقي المتعاطفون مع قاسم يشعرون بمرارة ما حصل ويتحينون الفرصة للثأر له.
المعلومات المتوافرة عن قائد المحاولة الانقلابية حسن سريع قليلة، أو تكاد تكون معدومة، فقد ولد لعائلة فلاحية في ريف السماوة، رحلت إلى مدينة (عين تمر) في كربلاء، حيث أكمل دراسته الابتدائية، التحق حسن بمدرسة قطع المعادن في معسكر الرشيد، وصار لاحقا ضابط صف برتبة عريف، وعين معلما في المدرسة نفسها. تزوج حسن من إحدى قريباته ورزقا طفلة وسكنا في حي الشاكرية، وهو من أحياء الصفيح المحيطة بالعاصمة بغداد. هو من قاد وأشرف على تحرك مجاميع الجنود والرقباء، وبعد فشل المحاولة تميز بشجاعته في مواجهة المحاكمة الميدانية التي حكمته بالإعدام رميا بالرصاص، نفذ أمر الإعدام يوم 13 يوليو 1963.
ولفهم الجو العام قبيل تحرك مجموعة حسن سريع، لابد من الإشارة إلى ضربات حكومة البعث، التي كانت شديدة ومركزة وشرسة، حتى إنها أدت إلى شل تنظيمات الحزب الشيوعي عبر الاعتقالات والتصفيات الدموية الواسعة، فلم يبق من تنظيمات الشيوعيين في بغداد والمدن الكبرى إلا أفراد او منظمات صغيرة تائهة بلا قيادة، إذ هربت بعض القيادات إلى خارج العراق، أو أرياف كردستان، بينما تمت تصفية واعتقال الآلاف من القيادات الوسطية، فكان سجن رقم (1) العسكري يغص بأكثر من 500 ضابط قاسمي وشيوعي ومتعاطف معهم. بينما يغص سجن بغداد المركزي بمئات من القيادات المدنية للحزب الشيوعي. كما حول البعثيون النوادي الرياضية، وبعض المباني العامة إلى معتقلات مؤقتة تديرها عناصر الحرس القومي، ويمارسون فيها مهام التحقيق والتعذيب نتيجة حجم الهجمة الواسع .
البحث في المصادر التاريخية يشير إلى أن الحركة الانقلابية كانت تتسم بالسهولة وأنها ذات خطة تنفيذ بسيطة جدا، المحور الأساس الذي تقوم عليه هو التحرك المسلح الذي ينفذه جنود ورقباء ممن يخدمون في وحدات معسكر الرشيد جنوب بغداد، والسيطرة على الوحدات المهمة في هذا المعسكر الحيوي الذي يضم مطارا عسكريا ووحدات الدبابات والمدرعات. وكما أن الخطوة الأساسية في الحركة تتمثل في سيطرة الجنود الانقلابيين على سجن رقم (1) ليتم بعدها تحرير العدد الكبير من الضباط المعتقلين، ليتولوا قيادات الطائرات والمدرعات والدبابات، وليبدأوا التحرك لإسقاط جمهورية البعث الأولى. وهنا يجب أن نطرح أسئلة جوهرية هي: هل كان الجنود والرقباء الانقلابون جزءًا من الحزب الشيوعي وخاضعين لسلطة اللجنة المركزية، أو ما تبقى منها خارج المعتقل؟ وهل كان هنالك على الأقل تنسيق بينهم وبين القيادة المدنية للحزب الشيوعي؟ وهل تم إعلام الضباط المعتقلين بساعة الصفر وطبيعة الحركة الانقلابية؟
يبدو من الكتابات المتناثرة، ومن إجابات علي كريم سعيد في كتابه عن هذه الاسئلة، إن مجموعة حسن سريع كانت كما وصفتها إحدى المنظمات التائهة في خضم جو التعسف والرعب الذي عاشه الحزب، التقت مع منظمة عمالية تائهة هي ايضا، وحاولتا الوصول الى من تبقى من اللجنة المركزية، وهما جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وفشلتا في ذلك. كما التف حول حراك الانقلابيين مع انطلاق الحركة خليط من المتعاطفين مع قاسم والحزب الشيوعي، لكن بات مؤكدا أن القيادة المدنية للجنة المركزية للحزب الشيوعي لم تكن قد نسقت مع مجموعة حسن سريع، التي أطلقت على نفسها قبيل التحرك اسم (اللجنة الثورية)، أما الضباط المعتقلون في سجن رقم (1) العسكري فيبدوا أن تسريبا قد وصلهم.
ويذكر علي كريم سعيد شهادة الضابط غضبان السعد حول تنسيقهم مع الحركة الانقلابية، والسعد كان سجينا في سجن رقم (1)، وكان من المقرر أن يلعب دورا محوريا في الحركة حال إخراجه من السجن، فيقول «لقد أبلغ حسن سريع قيادة منظمة السجن بخطته الانقلابية، بما في ذلك دور الضباط فيها. ولم يؤثر على ثقتهم بتعاوننا عدم تسلمهم ردا صريحا بالموافقة والتعاون». ويضيف السعد في شهادته؛ «إن عدم ردنا عليهم سببه الرغبة في تلافي إغضاب قيادة الحزب التي أظهرت ترددا في دعم الحركة»، ويكمل علي كريم سعيد أن هذا كان رأي العديدين مثل حامد أيوب العاني وهاشم الآلوسي وأغلب الضباط المعتقلين، بحسب ما اورده سعيد في كتابه.
من جانب آخر ولفهم الجو العام قبيل الحركة الانقلابية، لابد من ذكر صراعات البعث مع القوميين، وفشل مناقشات الوحدة الثلاثية مع سوريا البعث ومصر الناصرية، وتوتر الأجواء بين حكومة البعث والقوميين في مايو 1963، ومن ثم اندلاع التمرد الكردي مجددا بقيادة ملا مصطفى البارزاني في يونيو، بالاضافة الى حصول تكتل واضح بين شق صفوف البعث بين العسكر والمدنيين في قيادة الحزب، وقد استغل عبد السلام عارف كل هذه النقاط ليتحول من واجهة أو ديكور وضعه البعثيون على سدة الرئاسة وأهملوه إلى اللاعب الرئيس في المشهد السياسي، وقد حانت الفرصة في انقلاب 3 يوليو. ويروي القيادي البعثي طالب شبيب، الذي كان وزير خارجية حكومة البعث الأولى في مذكراته، إنهم هو وحازم جواد القيادي البعثي ووزير الداخلية، انزعجا عندما علما أن عبد السلام عارف، قفز على ظهر أول دبابة من كتيبة دبابات القصر الجمهوري، وقاد بنفسه عملية قمع الحركة الانقلابية في معسكر الرشيد، وبالتالي بات هو صاحب اليد الطولى بعد أن أصاب الهلع قيادات بعثية لم تحسن التصرف، إذ اعتقل الانقلابيون في الساعات الاولى من الانقلاب وزير الخارجية طالب شبيب ووزير الداخلية حازم جواد وقائد الحرس القومي منذر الونداوي ومساعده نجاد الصافي، وكانوا على وشك أن يعدموا لولا سيطرة كتيبة دبابات الحرس الجمهوري على الموقف، واعتبر بعض الباحثين، أن قمع عبد السلام لحركة حسن سريع كانت خطوته الاولى للانقلاب على البعث وتصفيته لاحقا في نوفمبر 1963.
أعقب إجهاض محاولة حسن سريع الانقلابية عمليات بطش وإعدامات انتقامية طالت مجاميع عديدة، لكن تبقى الخطوة الاكثر سوداوية في تاريخ هذه الايام هي ما عرف بـ»قطار الموت»، حين حشر مئات المعتقلين في عربات قطار شحن طليت جدرانه الداخلية بالقار في جو يوليو اللاهب وشحنوا الى سجن نقرة السلمان الصحراوي، وان من قام بهذه الخطوة كان متأكدا من هلاك المعتقلين، إلا أن القدر وحنكة سائق القطار غيرا مصير المعتقلين فنجوا من موت محقق، ليبقى انقلاب 3 يوليو، انقلاب المهمشين المنسي من الاصدقاء قبل الاعداء.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات